صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 5 من 6
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    641
    Thanks Thanks Given 
    0
    Thanks Thanks Received 
    0
    تم شكره
    مشاركات 0
    معدل تقييم المستوى
    9

    فهرس رواية باب الخروج لعز الدين شكرى.حلقات متجددة

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    رواية باب الخروج للكاتب المصرى عز الدين شكرى فشير
    سيتم عرضها على حلقات

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي الحلقة الاولى نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



    عزيزى يحيى
    أكتب لك رسالتى هذه وأنا هادئ تماما، على عكس ما توقعت. بل إن هناك بهجة عميقة تعترينى، وما كنت أحسبنى أبتهج. كنت أظن أنى سأضطرب وأخاف من هول العواقب، أنا الذى لم أدخل فى صدام بحياتى كلها. كنت أتمنى لو لم يحدث أى من الأمور التى حدثت، مع أنى فكرت فى الأمر عشرات المرات، من كل الجوانب التى استطعت تبيُّنها، ووصلت إلى قناعة تامة بحكمة قرارى هذا. تمنيت لو سارت حياتى فى طريقها المعتاد. لكنى، مثلما يقول كل المضطرين لاتخاذ قرار يكرهونه، لم يكن أمامى إلا الاختيار من بين البدائل المتاحة. تمنيت لو استطعت إضافة خيارات أخرى، لكنى لا أستطيع. والمفاجأة أنى لم أعد أكره قرارى، بل على العكس.

    لم يبقَ أمامى سوى أربع وعشرين ساعة لأكتب هذه الرسالة التى قد تكون الأخيرة. وكنت أظن هذا الوقت كا فٍ لأكتب لك كل ما أردت، لكنى أدرك الآن أن الوقت لن يسعفنى. كان ينبغى البدء قبل الآن، ربما بثلاثة أيام، لكن لم يكن ذلك ممكنا، من الناحية الأمنية. لذا سأدخل فى الموضوع مباشرة دون استرسال. وأطلب منك منذ الآن أن تعذرنى، فالوقت قليل، ولدىّ أشياء كثيرة أقولها لك، ورغم أنى فكرت طويلا فى ما سأسطره حين أشرع فى الكتابة، وصغته فى ذهنى عشرات المرات، فإن الأفكار تتزاحم الآن فى رأسى. ستجد رسالتى مشوشة بعض الشىء، ومؤكد أنى سأكرر بعض الأشياء، وأطيل حين تظن أن علىّ الإيجاز وأوجز حيث تنبغى الإطالة. سامحنى. لو كان الوقت يسمح لكنت راجعت هذا الخطاب بعد إنهائه وشذبته كى يصبح نصا متماسكا منمَّقًا كما اعتدت أن أفعل. لكن لم يعد هناك وقت لأى من هذا، سأقول ما لدىّ بغض النظر عن الطريقة التى سيبدو عليها الكلام. ولندخل فى صلب الموضوع.

    اليوم هو العشرون من أكتوبر 2020، وحين تصل إليك رسالتى هذه، بعد يومين بالضبط من الآن، سأكون سجينا أو جثة. إما سيقولون لك إن أباك مات بطلا، وإما ستقرأ فى الجرائد نبأ خيانتى الكبرى والقبض علىّ. أنا، الذى شاهدت بأم عينى صنوف الخيانة كلها، سيرموننى بدائهم وينسلون، كما فعلوا من قبل، عشرات المرات. لم أحاول منعهم من قبل، لكنى لن أدعهم يفلتون بفعلتهم هذه المرة. لا، ليس هذه المرة. هذه غضبتى، غضبة عمر بأكمله. غضبة قد تكون الأخيرة، لكنى لن أضيعها سدى. أخذت احتياطاتى، وعزمت أن لا ألعب دور الضحية. وهذه الرسالة، قد تكون طوق نجاتى الأخير إن فشلت كل الاحتياطات الأخرى. فاحرص عليها، فقد تكون هى الفارق بين الخيانة والبطولة، بين النصر والهزيمة.

    إن قُتلت فى اليومين القادمين، لأى سبب كان، فستكون أنت ورسالتى هذه آخر وسيلة لإنقاذ سمعتى وإنقاذك أنت والباقين من كارثة محققة. فاقرأ جيدا. ولا تتعجل، سأشرح لك القصة كلها. سأبدأ من البداية وأشرح لك كل شىء. وحتى لو لم يقتلونى، أريدك أن تسمع الحكاية منى قبل أن تسمعها من الآخرين. أريد أن أشرح لك ما حدث قبل أن يشوهوا صورتى أمامك. وهذه مسؤوليتى إزاءك كأب ستحمل اسمه رغما عنك ما حييت، وتقترن سيرتك بسيرته شئت أم أبيت. وأهم من ذلك، تتصل دواخل نفسك به وبصورته وبما فعل. ومن ثم وجب علىّ التفسير.

    ومن باب الاحتياط أيضا، ولأنى لست متأكدا من نجاتى من هذه المغامرة، لأنهم لا يعرفون حدودا ولا يتوقفون عند شىء، فإنى أريد أن أقول لك الآن كل ما أردت قوله لك فى سنواتك القادمة. سأفعل إذن ما لم نفعله معا من قبل، أنت الذى تبلغ عامك العشرين بعد أسابيع قليلة، وهو أن أحدثك كصديق، من رجل لرجل. سأقص عليك أشياء يُذهِلك سماعها، خصوصا منى أنا، وبعضها سيزعجك. سأحدثك عن مشاعر ربما لم يخطر لك أنى أمر بها، وعن أمك، وآخرين من عائلتنا ومن أصدقائنا المقربين. كنت أفضل أن أقول لك هذه الأشياء واحدة واحدة، وأنت تنتقل من عتبة إلى عتبة فى مشوار الرجولة الطويل. لا يحب الرجل منا سماع النصائح، خصوصا من أبيه، لكن الأب الذكى الصبور يجد دوما طريقا لتسريب النصائح لابنه، واحدة واحدة ومع الوقت. مضطر أنا إلى القفز فوق كل هذا، ومضطر إلى أن أقول لك كل ما أريد دفعة واحدة وأنت فى خطوتك الأولى نحو الرجولة.

    لن يعجبك معظم ما أقوله فى هذا الشأن، ولك الحق. ستبحث لنفسك عن طريقك الخاص، بل وقد تحاول إثبات خطأ آرائى، ولك الحق. كل ما أطلبه منك أن لا تحارب هذه الآراء. ضعها فى محفظتك، كصورة قديمة لى، ومن وقت إلى آخر، لنقُل فى عيد ميلادى أو ميلادك، أخرجها وانظر إليها من جديد وفكر فى جدواها وصحتها مرة أخرى. هذه هى الطريقة التى قد تبقى لنا لأكون أباك فى سنواتك الكثيرة القادمة. سأحدثك إذن كأن هذه محادثتنا الأخيرة، وكلى أمل وتصميم أن لا تكون كذلك. لكنى أفعل هذا من باب الاحتياط، فلا أريد إن قتلونى أن أتركك دون أب، ولو فى صورة رسالة.

    سأقص عليك قصصى دون حواجز، كأصدقاء. وتذكر، إن أزعجك بعض كلامى، أنى أحبك، كأنك أنا. وأنى حين أنظر إليك أراك كأنى أنا أعيد تشكيله بطريقة أخرى. فنحن فى نهاية الأمر رفقاء سلة الجينات التى نتقاسم معظمها، كأنها سحابة تضمنا نحن الاثنين، أحيانا تصير أنا وأحيانا تصير أنت. وتأكد أنى أحب طريقتك المختلفة عنى كما أحب طريقتى، وأنى أحب فيك تمسكك بهذا الاختلاف ويملأ قلبى اطمئنان وحب وأنا أرقبك تبحث عن نفسك لطريقك الخاص. أنت أنا الآخر. ويوما ما ستشعر مثلى بالضبط، وأنت ترقب ابنك يكبر.

    سأحكى لك أشياءً عنى وعن أمك، أريدك أن تقرأها وتحاول فهمها كرجل، لا كطفل ينظر إلى والديه. سأحكى لك عن عمك وعمتك، ولا أدرى إن كنت تتذكرهما، وعن نساء عرفتهن، وأصدقاء سيذهلك أنهم كانوا أصدقاء أبيك. وسأحكى لك عن جدك وجدتك. وعن نور، تلك الشمس المشرقة التى تعرفها لكنك لا تعرفها، والتى ستراها كثيرا إن نجوتُ من مغامرتى هذه وإن لم أنجُ. سأحكى لك عنها كى تراها جيدا عندما تراها. وسأوصيك خيرا بكل هؤلاء، أن تبقى على ود من بقى حيا منهم وأن تزور قبور من مات وتقرأ له الفاتحة، ولو مرة كل عام. ستريك هذه الرسالة وجها لا أحسبك قد رأيته فى من قبل أو حتى تخيلت وجوده. أنا الهادئ دوما، الصامت معظم الوقت، المنفرج الأسارير دون ابتسام، الذى لا يشعر أحد بوجوده كأنه شبح شفاف، سترى نسخة جِدَّ مختلفة لأبيك.

    سأتوقف عن الاسترسال وأنتقل فورا إلى ما أريد قوله، لكنى أذكّرك مرة أخرى أن تبلغ كلمتى هذه للعالم إن أصابنى مكروه. انشر هذا الخطاب، دون حذف أو إعادة صياغة أو ترتيب. انشره كما هو، لأن ما فعلته لن يكون له معنى إن لم يعلم الناس به وبالأسباب التى حدت بى إلى فعله. إن حاكمونى فسيكون لدىّ فرصة لفضحهم وشرح ما سيسمُّونه خيانتى للوطن. أما إن قتلونى فسيكون ذلك محاولة منهم لإخفاء القصة بأكملها، وسيقع على عاتقك حينها فضح ما جرى. كل ما عليك فعله هو وضع هذه الرسالة على الإنترنت. أمامى أربع وعشرون ساعة كى أكتبها، وعند بدء الهجوم مباشرة سأرسلها، فى تمام الرابعة صباحا. وستصل إليك بعدها بأربع وعشرين ساعة أخرى تكون خلالها قد نسخَت نفسها مرارا فى نقاط آمنة بحيث لا يمكن لأحد محوها. لن يفلتوا هذه المرة.

    أكتب لك من بحر الصين الجنوبى، من فوق متن سفينة تجارية بريئة المظهر، نشقّ عباب البحر فى هدوء شديد عائدين إلى مصر. يُفترض أن نبلغ ميناء النصر الجديد بعد خمسة عشر يوما نحن والة النووية التى نحملها وسط آلاف الحاويات التجارية. بمجرد وصولنا سيتم توزيع هذه الة على الصواريخ التى تنتظرها، وإطلاقها على قيادة قوات الاحتلال فى العريش وشرم الشيخ ونخل وال السكانية الكبرى داخل إسرائيل، وعلى القوات الأمريكية المنتشرة فى الأحساء وغرب إيران. هذا هو الحل النووى النهائى الذى توصل إليه الرئيس القطان بعد فشل كل الحلول الأخرى.

    لا أحد يعلم بمحتوى تنا هذه غير ستة أشخاص، رجل صينى واثنين من كوريا الشمالية، والرئيس القطان واللواء المنيسى وأنا. أو هكذا يُفترض. لكن الحقيقة أن هذه السفينة الهادئة قليلة العمال والركاب ستجتاحها فرقة كاملة من البحرية الأمريكية فى الرابعة من صباح الغد، أى بعد أربع وعشرين ساعة بالضبط. الحقيقة أيضا أنى -أنا المترجم الصامت الذى لم يأخذ فى عمره موقفا حادا- أنا من أبلغهم.

    أنا الخائن.

    ع.ش.فشير



    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    641
    Thanks Thanks Given 
    0
    Thanks Thanks Received 
    0
    تم شكره
    مشاركات 0
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي رد: رواية باب الخروج لعز الدين شكرى.حلقات متجددة

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي الحلقة الثانية نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    كانت فى مثل سنِّى وقتها.. ذات ابتسامة مضيئة ووجه مستدير يحيطه شعر أسود قصير.. حين تقرأ يتهدل
    على عينيها حتى يغطيهما..وحين ترفع رأسها وترانى تلمع عيناها الضيقتان بنظرة تشع لؤما بريئا
    أنا المترجم الرئاسى، الموثوق به، الذى قضى عمره فى ردهات القصور، على متن الطائرات الرسمية، أو فى قاعات محظور الدخول إليها، جالسا بين مقعدين، يستمع ويترجم لشاغرَيهما ما يقوله كلٌّ للآخر دون أن يكون له أن يقول. أنا الذى سمع الكثير ورأى الكثير، منذ التحقت بهذا القصر الأسطورى وأنا شابٌّ فى مثل عمرك وحتى صار حماى رئيسا. كم سنة؟ التحقت بال فى أثناء حرب تحرير الكويت، فى بداية 1991، ونحن نقترب الآن من نهاية 2020، أى قرابة ثلاثين عاما. ثلاثون عاما لم أتكلم دون أن يُطلب منى الكلام. شاهد صامت على عائلة ممتدة من المؤامرات والصفقات والخيانات والفتن. شهدتُ طرد الرئيس من القصر عند اندلاع الثورة الأولى، وشهدت الحكم العسكرى، ونجوت بأعجوبة من الموت فى أثناء اقتحام القصر الرئاسى وإحراقه فى الثورة الثانية، وشهدت الاحتلال والتفاوض والتخاذل، وخيبة الأمل. وكنت دوما شاهدا صامتا، مرآة لما يقوله الرئيس وضيوفه. وحين قررت الخروج عن صمت ثلاثين سنة، لم أجد أمامى سوى الخيانة طريقا.
    سيهاجمون السفينة عند الفجر. هذا ما اتفقنا عليه. أنا الذى أبلغتهم بالصفقة المرعبة، وبخطِّ سيرنا، وبتفاصيل السفينة وأماكن الة وأكوادها. فى البداية ذهلوا وظنُّوا أنى جُننت أو أخدعهم. لكنى أثبتُّ لهم بما لا يدع مجالا للشك أن هذا الجنون حقيقة. وتتبعوا من خلالى تطور الصفقة حتى أمس، حين قطعنا الات الإلكترونية بالعالم الخارجى ودخلنا فى صمت لاسلكى كامل. لا يوجد مصريون هنا غيرى أنا واللواء المنيسى. الباقون طاقم السفينة التجارية وعمال آسيويون. حين وضعنا خطة نقل الة فضَّلنا أن لا نأتى بمصريين غيرنا حفاظا على السرية. وبالطبع لم نضع حراسا مسلحين لتفادى الشبهات. ثم ما جدوى الحراس فى مواجهة سلاح البحرية؟ أقول وضعنا الخطة لأنى شاركت فى هذا. كما شاركت فى الاتفاق على خطة البحرية الأمريكية للاستيلاء على السفينة. تقتضى الخطة عدم إطلاق النار على أحد: سيهبطون فى الظلام من طائراتهم ويقبضون علينا جميعا، يصادرون الة النووية ثم يقطرون السفينة إلى أقرب قاعدة بحرية أمريكية ويسلموننا بعدها -وأمام الكاميرات- للسلطات المصرية.
    لا يعلم أمر الة ومكانها وخط سيرها سوانا أنا واللواء المنيسى والرئيس القطان. حتى الرجل الصينى الذى لعب دور الوسيط مع الكوريين مصدر الة لا يعلم أين ذهبنا بها منذ تَسلَّمناها. استقلَّ الطائرة إلى مصر مع مرافق مصرى لا يعرف شيئا من أمر العملية سوى ضرورة مرافقة هذا الرجل الصينى الهامّ حتى مطار القاهرة، وبلغنا أمس أنه وصل وينتظرنا هناك. طاقم السفينة يعلم أننا نصاحب ة هامَّة، ووافق على بعض الاحتياطات مقابل الأموال التى تلقوها، لكنهم لا يعلمون كنه الة.
    رتبنا عمليات النقل وال عن طريق حلقات منفصلة لا يعرف بعضها بعضا ولا تعرف من أمر العملية نفسها شيئا. وبالتالى، حين تهبط طائرات البحرية الأمريكية على رؤوسنا فى الفجر، لن يكون هناك شك لدى اللواء المنيسى أنى أنا الذى أفشيت السر. قد يتردد الرئيس فى تحديد من منّا الخائن، لكنه سيتذكر ولا ريب معارضتى للفكرة ومحاولاتى الخجول لثنيه عن تنفيذها. على العموم أنا لا أنوى الإنكار. ومثلما رفضت عرض الأمريكان بتوفير ملاذ آمن لى (قالوا إنه سيكون على البحر إن شئت!) فإنى سأرفض أى مساومة مع القطان. سأعترف علنا بما فعلت، وساعتها لن يكون أمامه إلا محاكمتى، أنا زوج ابنته، بتهمة الخيانة العظمى. وستكون هذه نهايته ونهاية حكمه التعس. أعدك بهذا.
    ولكن ماذا لو وقع اشتباك؟ ماذا لو كان لدى اللواء المنيسى تعليمات من رئيسه بأن لا يترك الة إلا ميتا، أنا وهو؟ أو لو وقع لى «حادث أليم» بعد تسليمنا للسلطات المصرية؟ ماذا لو تغابت القوة المهاجمة كعادة القوات المهاجمة وبدأت فى إطلاق النار فى كل الاتجاه مثلما كانوا يفعلون فى الأفلام القديمة؟ فى أى من هذه الحالات، ستكون هذه الرسالة بين يديك، تشرح تفاصيل خيانتى وأسبابها وملابساتها، وتكون مهمتك هى قراءتها، والتفكر فيها، ونقلها للناس.
    هى قصة طويلة، وسأقصها عليك بكل التفاصيل التى أستطيع ذكرها، فقد يكون هذا آخر ما يصلك منى. لدى أربع وعشرون ساعة، سأملؤها بقصصى ولن أنام. سأبدأ قصتى من حيث سأنهيها، من العاصمة الصينية بكين. وسيكون حاضرا معى فى لحظة البداية، لسخرية القدر، تقريبا نفس الأشخاص الذين سينهونها معى. كنا فى عام 1989 وأنا تقريبا فى مثل عمرك، على وشك التخرج فى الجامعة. وكنت فى بكين مع جدك رحمة الله عليه، العميد شكرى فؤاد الذى كان فى العام الأخير من خدمته بالصين كملحق عسكرى. انتقلنا جميعا معه، جدَّتك عزيزة وعمك عمر وعمتك صفية، حين بدأ عمله هناك قبلها بثلاث سنوات. ظلَّ ثلاثتنا مقيَّدين بالجامعة بمصر، عمر بالسنة الأخيرة بكلية الحقوق وصفية بالسنة الثالثة بكلية التجارة، وأنا بالسنة الأولى بقسم الفلسفة بآداب القاهرة. ولأنها كليات نظرية فقد دبَّر لنا الوالد تفاهما مع الجامعة يسمح لنا بالغياب طوال السنة الدراسية والعودة لأداء امتحانات آخر العام. وبالتالى كان لدينا كثير من الوقت فى بكين. عمك عمر كان قَلوقا بطبعه، ولم يحتمل الفراغ الكبير والغربة عن كل شيء خصوصا أن اللغة الإنجليزية لم تكن وقتها منتشرة فى الصين. وانتهى به الأمر بأن عاد إلى مصر وعاش بالمدينة الجامعية حتى تَخرَّج، ثم وافق أبى أخيرا على إقامته ببيتنا بمدينة نصر وحده حتى عدنا. صفية قضت الوقت الكثير المتاح مع أمى رحمها الله، بين العناية بالبيت الكبير والإشراف على حفلات الاستقبال العديدة التى يقيمها الوالد، ومساعدتها على «التصرف» لإطعام الضيوف الذين يأتى أبى بهم إلى البيت دون سابق إنذار، وبين اكتشاف أماكن التسوق الأفضل والأرخص فى متاهات بكين.
    أما أنا فقد قضيت هذا الوقت فى تعلم اللغة الصينية. لِمَ؟ بلا سبب واضح. كنت بارعا فى اللغات، ورغم تعليمى الحكومى فقد أتقنت الإنجليزية بشكل لافت. ولأنى كنت أحب الفلسفة وأدرسها، فقد فكرت فى تعلم اللغة الصينية كى أقرأ الفلسفة الصينية بما أنى أعيش فى بكين. فكرة ساذجة طبعا، لكن هكذا نفكر ونحن فى السابعة عشرة، إن كنت تذكر! المهم أنى أقنعت أبى وسجَّلنى فى مدرسة تعطى دروسا مكثفة للأجانب. وبرعت فى هذه اللغة الصعبة بشكل لفت أنظار الجميع، حتى إنى صرت قادرا على القراءة والكتابة والحديث بشكل معقول فى عام ونصف. ولم أتوقف، بل تابعت الدراسة طوال الوقت حتى صرت، بلا مبالغة، طلقا فيها كأهل البلد بنهاية السنة الثالثة، حين بدأت سلسلة الأحداث التى ستقودنى إلى هذه السفينة القاتلة.
    نجاحى فى اللغة الصينية جعلنى محطَّ فخر أبى وأمى وأختى بشكل لم أعهده من قبل. غمرنى هذا الفخر بشعور بالحنان والدفء والاطمئنان لا مثيل له، وما زال يراودنى كلما ذكرتهم. استغرب الجميع، خصوصا أصدقاء أبى وزملاءه، من نبوغى فى تعلم اللغة، وتطوعوا بتفسيراتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، من عقل المراهق الذى يلتقط اللغات بشكل خاص، إلى الذاكرة البصرية التى تصور الحروف. وصحيح أنى موهوب فى اللغات بشكل عام، ويشهد على ذلك تعلمى للفرنسية وإتقانى لها بعد عودتى إلى مصر، ولكن الحقيقة أن سبب إتقانى للغة الصينية، وإتقانها بهذه السرعة الصاروخية، أبسط بكثير من هذه التفسيرات وأحلى، واسمه «داو مينج».
    داو مينج كانت فى مثل سنِّى وقتها. ذات ابتسامة مضيئة ووجه مستدير يحيطه شعر أسود قصير. حين تقرأ يتهدل على عينيها حتى يغطيهما. وحين ترفع رأسها وترانى تلمع عيناها الضيقتان بنظرة تشع لؤما بريئا، ثم تغطى فمها بيدها وتشيح بوجهها كأنما خجلا. أين أنتِ الآن أيتها الدربُ المضىء؟
    التقيتها فى معهد تعليم اللغة الصينية للأجانب، حيث تدرِّس كجزء من برنامج لل العامة يتعين على الشباب الجامعى المرور به. ورغم حداثة سنِّها، أو ربما بسبب ذلك، فقد كانت شديدة الصرامة معنا. حتى سألتها فى مرة بعد الدرس عن جامعة بكين التى تدرس بها، استرسلت فى الرد حتى جاء عامل التنظيف وقال لها شيئا لم أفهمه، وساعتها رأيت لأول مرة ابتسامتها المضيئة تلك وحركة تغطية فمها بيدها. أعجبتنى. وأنت تعرف كيف تعجبنا البنات ونحن فى السابعة عشرة. سألتها عما قاله الرجل فقالت إنه يطردنا لأننا تأخرنا. لم أفهم ما المضحك فى ذلك، ولم أكن بعد قد علمت أن هذه طريقتها فى التعامل مع كل ما يفاجئها. مشيت معها حتى محطة الأوتوبيس. سألتنى عن معنى اسمى فقلت مُحرَجا «الشخص المرتفع». ضحكت وهى تهزّ رأسها وصمتت. فسألتها عن معنى اسمها هى فقالت «الدرب المضيء». ثم صمتنا وبدأت أشعر بحرج شديد وفشل وندم أنى حدثتها. سألتنى كيف أدرس بمصر إن كنت موجودا بالصين طوال العام فشرحت لها وهى تهز رأسها. وعندما قلت إنى أدرس الفلسفة وقفت وسألت فى دهشة: «الفلسفة؟! أنت تدرس الفلسفة؟!» قلت: «نعم»، فأضافت ببساطة شديدة أنها هى أيضا تدرس الفلسفة، ثم ضحكت ووضعت كفها على فمها وأشاحت بعينيها ناحية الأرض واستأنفت السير.
    وهكذا، فى هذه اللحظة، ونحن سائران نحو محطة الأوتوبيس، هى تنظر بعيدا وأنا أحدّق إلى شعرها، قررت أنى أحب داو مينج.

    ع.ش.فشير



    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    641
    Thanks Thanks Given 
    0
    Thanks Thanks Received 
    0
    تم شكره
    مشاركات 0
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي رد: رواية باب الخروج لعز الدين شكرى.حلقات متجددة

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي الحلقة الثالثة نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    سألتك مرتين أو ثلاثا إن كنت قد صادقت فتاة أو أحببت، واعتراك خجل وغمغمت بالنفى.
    غير أنك حدثتنى بعد ذلك عن فتيات أحببتهن وأنت أصغر سنا
    كان اسمها داو مينج.
    وحين قبَّلَتنى أول مرة شعرت وكأن الجنة قد هبطت علىّ. ظللت بعدها جالسا دون حراك، ساهما أنظر إلى وجهها القريب من وجهى. لم تضحك ساعتها أو تُشِح بوجهها، ولم تغطِّ فمها بيدها. فقبَّلتُها ثانية مطولا، أنا الذى لم أكن أعرف عن القبل غير ما رأيته فى الأفلام. بالكاد ثمانية عشر عاما، أى أصغر منك الآن بعامين. ماذا عنك أنت؟ سألتك مرتين أو ثلاثا إن كنت قد صادقت فتاة أو أحببت، واعتراك خجل وغمغمت بالنفى. غير أنك حدثتنى بعد ذلك عن فتيات أحببتهن وأنت أصغر سنا. حين كنت فى السادسة عشرة حدثتنى عن تلك التى أحببتها فى المدرسة الإعدادية، وذكرت لى منذ شهور شيئا عن تلك التى أحببتها فى المرحلة الثانوية. لم تواتِك الجرأة قَطّ أن تحدثنى عن حبٍّ حالَ وقوعِه. حاولت أن أعطيك بعض النصائح، وأذكر أنك استمعت إلى متظاهرا بعدم الاهتمام. لم تردّ، فقط استمعت، ولم أضغط عليك، لكنى أريد أن أقول لك الآن: حين تقع فى غرام فتاة قبِّلها على الفور ولا تنتظر. لا شىء يدعو إلى الانتظار، ولا تخش شيئا، فسأدافع عنك من علٍ. واعلم أن كل الناس مثلك، تحب وترغب فى وصال من تحبه. لا تتوارَ، فكلنا يا صديقى نمر من هذا الباب.
    أظن أن أبى كان يعرف بأمر داو مينج، وربما أمى. لكن لم يقُل أيهما شيئا عن الموضوع. كان سلوكى عاقلا بشكل عامّ: لا تأخير مبالَغ فيه خارج البيت، ولا مغامرات أو مشكلات. لم أدخن أو أكذب أو أسرق أو أتشاجر مع أقرانى، وكنت متفوقا فى دراستى بالجامعة بمصر. لكن موجات السعادة العارمة والبؤس الشديد لا بد أنها قد فضحت أمرى وتسببت فى ابتسامات غامضة من جانب أمى وهزّات رأس متبرمة من جانب أبى. وعلى كل حال، فقد كان لداو مينج أثر إيجابى لا يمكن لهم إنكاره، فقد تحول إتقانى المتزايد اللغة الصينية إلى مفتاح سحرى لأبواب بكين المغلقة عادة أمام الغرباء. تدريجيا بدأت آخذ أمى وصفية أختى إلى أسواق ومحالَّ تبيع كنوزا بأسعار لم تصدقاها، وانبهرتا بحواراتى مع الباعة، وانبهر الباعة أكثر بهذا الأسمر النحيل الطويل الذى يتحدث مثلهم. كل هذا من صنع داو مينج، ى وملاكى الحارس. استدعانى أبى ذات مرة إلى مكتبه وسألنى بتردُّد إن كنت أستطيع مساعدتهم فى إجراء بعض المعاملات الإدارية والمالية مع مقاولين ومع السلطات المحلية. وقد كان، وتحولت إلى بطل شعبى صغير للمكتب العسكرى. ثم قدمنى أبى للسفير وهو يتعشى عندنا فاهتمّ بى اهتماما كبيرا وقال إنه سمع أنى آتى بمعجزات، ثم حذّرنى من نية أبى إلحاقى بكلية عسكرية بعد تخرُّجى. مال علىّ مبتسما -وأنا أتلعثم فى خجلي- واقترح علىّ تحضير نفسى بدلا من ذلك لاختبار القَبول بوزارة الخارجية. لكِ لله ياداو مينج: هل كانت تعلم أنها تحفر بيدها حفرة ستبتلعنا نحن الاثنين؟
    لم يكن لدىّ من أحكى له عن داو مينج سوى صديقى عز الدين فكرى. نعم، هو هو عز الدين فكرى الذى تعرفه. سأخبرك بكل شىء فى حينه. زاملت عز الدين فى مدرسة «ابن لقمان» الإعدادية بالمنصورة، وتصادقنا من أول يوم، وظللنا نتقاسم المقعد الخشبى العريض وأوقات الفسح والمؤامرات والمعارك واللعب والكلام طوال أعوامنا الثلاثة بالمدرسة. ثم انتقلنا معا إلى الثانوية العسكرية الواقعة فى نفس الشارع، وقضينا سنوات تكويننا الأساسية معا، صباحا ومساء. كان عز الدين يتيما يعيش مع خالته، وهى نفسها بلا أهل فى المنصورة، هاجرت من الإسماعيلية أيام الحرب ولم تعُد إلى بلدها. حين أتى إلى بيتنا أول مرة أحبَّته أمى على الفور، وعاملته -هى وصفية أختي- باعتباره فردا من العائلة. عمك عمر، الذى كان يعاملنى باعتبارى «الأخ الصغير»، بدا عليه بعض الضيق من هذا الوافد الغريب، أعتقد أنه غار من صداقتنا القوية ومن اهتمام أمى به. وكان أبى فى تلك الفترة يغيب أياما طويلة فى الجيش (لم أكن أعلم أين هو، كلما سألته أو سألت أمى أين هو قالا: فى الجيش).

    أيا كان الأمر، بين المدرسة فى النهار والجلوس فى بيتنا أو التسكع على النيل فى المساء، تَفتَّحنا على العالم معا، وفتح كلانا قلبه للآخر وصرنا كأننا أخوان توأمان: على شكرى وعز الدين فكرى. كان حالما وهادئا مثلى، مشغولا بالأفكار والكتب وحال العالم أكثر مما هو مشغول بالأشياء التى يهتمّ بها المراهقون فى سننا، أو هكذا قررنا. ولكنه كان أكثر إقداما منى وأكثر قدرة على الصد والرد والمُحاجَّة مع الكبار خصوصا المدرسين. ومن ثم تقاسمنا الأدوار: أنا أوفِّر الملجأ المسائى ببيتنا، بطعامه ورعاية أمى وكتب أبى الغائب، وعز الدين يتولى الدفاع عنا والمناقشات مع المدرسين، وأحيانا مع أمى حين نتأخر أو نتغيب. وفى كل هذا صرنا لا يُرَى واحد منَّا دون الآخر، ولا نفترق إلا على موعد للقاء. يعرف كل منا ما يدور فى عقل وقلب الآخر دون أن يتكلم، ويجرى كل منا إلى الآخر كى يخبره إن جد عليه شىء.
    وحين رحلت مع عائلتى إلى القاهرة بعد الثانوية العامة، التحق عز الدين بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة وانتقل للإقامة بالمدينة الجامعية. حاولت إقناع أبى بأن يسمح له بالإقامة معنا بشقتنا الجديدة بمدينة نصر، إلا أنه رفض بدهشة وحزم. لم أجد مبررا أسوقه سوى أنى أعتبره أخى. ربت أبى على كتفى صامتا فصمتّ، وابتسمَت لى أمى معزّية. لكننا قضينا السنة الأولى نتسكع فى طرقات الجامعة معا، ونتسامر فى المساء مع طلبة الأقاليم المقيمين فى المدينة الجامعية مع عز الدين. ومن وقت إلى آخر كانت أمى تدعوه إلى عشاء أو غداء بالبيت عندنا، وأحيانا ترسل إليه طعاما معى نقتسمه بغرفته بالمدينة الجامعية. لم تطُل هذه الفترة الذهبية حيث انتقلت مع عائلتى بنهاية صيف العام الأول إلى بكين. ولم يعد بيننا سوى خطابات نتبادلها كل عدة أسابيع (لم تكن الإنترنت قد ظهرت بعد، إن كان يمكنك تصوُّر هذا الأمر). وصارت هذه الخطابات وسيلتى الوحيدة للتنفيس عما يعتمل بصدرى من مشاعر ومخاوف لصديقى الوحيد، أرسلت إليه صورا لى مع داو مينج، وكتبَت هى مرة له فقرة بالإنجليزية تحىّيه، ورد علينا معا بخطاب طويل وعاطفى. وافتقدته كثيرا حين أتى وقت القرارات الصعبة ولم تسعفنا الخطابات.
    فى السنة الثانية صرت أقضى يومى كله معها. فى أوقات الفراغ نتسلل إلى المدينة المحرمة فى قلب بكين، اسما وفعلا، قبلتانا الأُولَيان تَبِعَتهما قُبَل أخرى كثيرة، وعناقات كأنها مسٌّ يأخذنا إلى عالم لا أحد فيه سوانا. لو لم تقبِّلنى داو مينج لما قبّلتها أبدا ولقضيت سنواتى ببكين أهيم بها دون أن ألمسها، ترددا وخجلا. ولو لم تعانقنى لما ذاب خجلى، لكنه حين ذاب لم يبقَ شىء يمنعنى عن وصالها.
    وَدَخَلْتُ فِى لَيْلَيْنِ.. فَرْعِكِ وَالدُّجَى/ وَالسُّكْرُ أَغْرَانِى بِمَا أَغْرَاكِ
    فهمتُ قصد أمير الشعراء، وعرفت، فى هذه اللحظة، أن الوصال لا يشفى من الهوى، عكس ما كان يُشِيعه زملائى الأكثر مغامرة. لا تصدِّق ما يقوله هؤلاء، وتذكر أنك لا تعرف امرأة حقا ولا تعرف حقيقة مشاعرك نحوها حتى تمام الوصال.
    حين لا نكون بالمدينة المحرَّمة كنا بالجامعة نستمع إلى دروس الفلسفة. فى البداية كنت أفهم ثلث ما يقوله الأستاذ، ثم أخذَت النسبة تتحسن حتى العام الثالث حين صرت أفهم مُعظَم ما يُقال. كان هناك أساتذة أوضح من آخرين فى نطقهم، وطلبة كثيرون من الأقاليم الصينية البعيدة لا أفهم شيئا من أسئلتهم. لكن داو مينج كانت تراجع الدروس معى بعد المحاضرات وتشرح لى ما استغلق علىّ. بعض هذه الدروس قريب من الموادّ المقررة علىّ بجامعة القاهرة، وبعضها جديد مختلف تماما. لكن الأمر كله ساعدنى فى دراستى الرسمية، ونجحت بنتيجة جيدة لشخص غائب طوال العام. وأظن ذلك قد أسهم فى تغاضى والدىّ عمّا خمّناه.
    ثم ظهر أحمد القطان.
    فى هذا المساء عدت متأخرا قليلا، فى التاسعة أو شيئا من هذا القبيل، فوجدت البيت مزدحما بالضيوف وصفية أختى واقفة بجوار الباب تنتظرنى ثم قالت لى فى لوم إن أبانا يسأل عنى منذ ساعة. دخلت غرفتى لأصلح من هندامى وحالى فجاءت أمى مسرعة وقالت لى إن أبى عنده ضيوف مهمون من مصر يريدنى أن أسلّم عليهم. خرجت وتقدمت نحو الصالون الكبير. سمعت أصوات حديث بالعربية والصينية وضحكات وقرقعة أكواب وكؤوس فترددت. لمحنى أبى من آخر الصالون فنادانى. تقدمت بخجل وأنا أنظر إلى نقوش سجادة الأرضية التى أحفظها من كثرة ما حدقت إليها. وبطرف عينى لمحت، فى صدر الصالون، ضباطا كبارا، مصريين وصينيين. نظر إلىّ أبى الذى كان يرتدى بزّته العسكرية كاملة، وأشار لى بابتسامة رسمية أن أدخل.
    وهكذا قابلت الرئيس القطان لأول مرة.

    ع.ش.فشير

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  4. #4

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    641
    Thanks Thanks Given 
    0
    Thanks Thanks Received 
    0
    تم شكره
    مشاركات 0
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي رد: رواية باب الخروج لعز الدين شكرى.حلقات متجددة

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي الحلقة الرابعة نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    عندها فهمَت داو مينج أن أمرا يجرى وأنى أخفيه عنها.. ظلت تحدق إلىّ بعينيها الضيقتين مرتابة لكنى صمدت ولم أفصح عن شىء عن صواريخى ولا عن مشروع تحويلى إلى مترجم رئاسى فى القاهرة
    أحيانا أفكر أنى لو كنت ذهبت مع داو مينج إلى السينما مثلما اقترحت علىّ فى ذلك المساء لعدت إلى منزلى فى الثانية عشرة وما التقيت ضيوف أبى العسكريين ولا جرى أى مما جرى بعد ذلك. وأحيانا أظن أن كل ما جرى كان لا بد أن يحدث، سواء قابلت أحمد القطان هذا المساء فى صالون أبى أو قابلته فى مصر بعدها بشهر أو بسنة. فى كل الأحوال، تقدمت على السجادة السميكة وأنا أحاول السير بخطى ثابتة وسلمت على الضباط المصريين الزائرين ثم على الضباط الصينيين. قال أبى شيئا عن إتقانى اللغة الصينية فأبدى الجميع اهتماما زائفا من باب المجاملة كأنهم لا يصدِّقون. شعرت بالإهانة، ولما تَكلّم المترجم الصينى بالعربية ليترجم للزوار شيئا قاله رئيس الوفد الصينى صححت له ترجمته. نظر إلىّ وهزّ رأسه بشدة فشرحت له بالصينية أين أخطأ. وكان هذا كافيا للفت انتباه المسؤول الصينى الذى سألنى -بالصينية- إن كنت أتحدث الصينية، ثم بدأ يتوغل معى فى الحديث تدريجيا. استغرقت المحادثة خمس دقائق كاملة صمت فيها الجالسون فى الصالون جميعا. أنهى المسؤول حديثه معى والانبهار يشع من عينيه، ثم قام واقفا وانحنى وسلم علىّ بيديه الاثنتين بحرارة شديدة. شكرته، والتفتُّ إلى أبى الذى كانت أوداجه قد انتفخت من الفخر والتأثر، ولمحت بطرف عينى نظرات الاهتمام لدى الضيوف الزائرين، فحييت الجميع برأسى وانسحبت بهدوء إلى غرفتى.
    قرب منتصف الليل سمعت أصواتَ آخِر الضيوف وهم يغادرون، ثم جاء أبى بنفسه إلى غرفتى. دخل وسار حتى مقعدى، وقبَّلنى على رأسى، ثم طلب منى الاستيقاظ مبكرا للذهاب معه إلى المكتب وحضور جلسة مفاوضات هامَّة مع الوفد الزائر، لأنهم يريدون أن يتأكدوا من دقة ما ينقله إليهم المترجم الصينى. وهكذا، بدأت سلسلة الأحداث التى ستقودنى حتى قمرة السفينة التى أكتب لك منها هذه الرسالة.
    حدث كل شىء بسرعة بعد ذلك. حضرت فعلا مع أبى والوفد الزائر جلسات المفاوضات التى اتضح أنها لشراء صواريخ صينية. وكنت مبهورا بما يحدث حولى وبأنى أشارك فى ما اعتقدت وقتها أنه عمل حساس وخطير. نبه علىّ نائب رئيس الوفد، العميد أحمد القطان، أن لا أذكر حرفا مما سمعته لأحد، ولم يكن به حاجة إلى ذلك، فقد كنت من فرط انبهارى مستعدا لاعتبار كل ما دار سرّيّا، حتى حين سألتنى أمى فى المساء إن كنت قد أكلت شيئا طوال اليوم لم أردّ، ونظرت إلى أبى فى انتظار التعليمات. حضرت معهم هذه المناقشات لمدة أربعة أيام، لم أذهب فيها إلى لجامعة ولم أرَ داو مينج. وبعد رحيل الوفد قال لى أبى إن العميد القطان يعمل فى حرس الرئيس، وإنه قد وعده بتعيينى مترجما فى الرئاسة حين نعود إلى مصر وأتخرج من الجامعة فى العام التالى.
    انتابتنى مشاعر متناقضة، فأنا لم أفكر يوما فى العمل بمكان فى مكانة وخطورة رئاسة الجمهورية، وبالقطع لم أكن أنوى العمل مترجما. كل ما أردته هو دراسة الفلسفة لأطول فترة ممكنة، ثم تدريسها بعد ذلك فى إحدى الثانويات. وكانت فكرة البقاء فى الصين تساورنى منذ شهور، وحدثتنى داو مينج عن منح دراسية للأجانب يمكننى الحصول على إحداها إن تحمس لى أى من أساتذة القسم الكبار. وبدا ذلك الحلم فى متناوَل اليد، خصوصا مع تمكُّنى الباهر من اللغة، أظل فى بكين، مع داو مينج، وأدرس الفلسفة الصينية. لكن تجربة الصواريخ التى مررت بها لتوِّى، وشعورى بأنى جزء من شىء خطير وشديد الأهمية، والتبجيل الذى أحاطتنى به صفية وأمى، وتعامل أبى معى كأنى زميل له، والاحترام الذى أظهره كل هؤلاء الضباط ببزّاتهم العسكرية المهيبة، وتخيُّل القصر الرئاسى والجلوس بالقرب من الرئيس -عند أذنه بالضبط-… كل ذلك كان له مفعول السحر.
    حين التقيت داو مينج فى صباح اليوم التالى جرَت ناحيتى واحتضنتنى بشدة. قلقَت لغيابى طوال الأيام الأربعة الماضية، لم يكن لديها فلم أستطع إخبارها. قلت لها إنى انشغلت فى ترجمة أشياء لأبى فى المكتب. لم أحب أن أكذب عليها ولكنى لم أكن لأفشى سر الصواريخ. غضبَت لاختفائى غير المبرر ولقلقها دون داعٍ علىّ، لكن غضبها تلاشى سريعا. أنا الذى ظللت مشتَّتا، وحتى زيارتنا للمدينة المحرمة لم تفلح فى القضاء على تشتتى. عندها فهمَت داو مينج أن أمرا يجرى، وأنى أخفيه عنها. ظلت تحدق إلىّ بعينيها الضيقتين مرتابة، لكنى صمدت ولم أفصح عن شىء عن صواريخى، ولا عن مشروع تحويلى إلى مترجم رئاسى فى القاهرة.
    لكن كل ذلك تلاشى بعد عدة أسابيع من رحيل الوفد وعودتى إلى روتين الجامعة والمدينة المحرمة. وذات يوم جاءت داو مينج وهى متوهجة من السعادة وأخبرتنى بين أنفاسها المتقطعة من الركض أن رئيس القسم شخصيا سألها عنى وأشار إلى ضرورة استمرارى فى الدراسة ما دمت محبا للفلسفة الصينية إلى حد المواظبة على دروسها عامين دون أن أكون مضطرا إلى ذلك. ابتسمتُ مجاملا ومتسائلا عن أهمية هذا الكلام، فهزت رأسها فى لوم مؤكدة أن ذلك معناه منحة دراسية من التى حدثتنى عنها، وحثَّتنى على طلب موعد معه ومفاتحته فى الأمر. لكنى قبل أن أفاتحه هو فاتحت أمى، فشحب وجهها فورا وصمتت. صفية أعجبتها الفكرة، لكنها استبعدت موافقة الأب عليها، خصوصا فى ضوء الوظيفة التى تنتظرنى فى القاهرة. ظللت أسابيع مترددا فى مفاتحته فى الأمر، ورد فعل أمى ىءينبئ عمَّا يمكن أن يقوله أبى.

    كتبت لعز الدين عن المعضلة، وجاء رده سريعا، يزن كل اختيار بمميزاته وعيوبه ويحاول الجمع بينهما، مقترحا أن أبدأ بوظيفة القاهرة وأؤجل المنحة عاما، وإن لم تعجبنى الوظيفة فى القصر الرئاسى أتركها وأعود إلى بكين. ماذا عن داو مينج؟ لم يقل شيئا. ذهبت لمقابلة البروفيسور للتأكد مما قالته داو مينج، وفعلا أكد لى إمكانية توفير هذه المنحة -التى يُشرِف بنفسه على اختيار الحاصلين عليها- إن نجحت فى بعض اختبارات اللغة والفلسفة وحصلت على شهادة الليسانس من جامعتى هذا العام.
    كان هذا عامنا الأخير فى بكين، والأسابيع يسحب بعضها بعضا سريعا، وكلما اقترب موعد عودتى السنوية لأداء الامتحانات زاد اضطرابى. كان يُفترض أن أسافر فى شهر أبريل مع صفية وأمى لنستعد للامتحانات ولا نعود، ويلحق بنا أبى فى نهاية شهر يوليو. ولكنى كلما اقترب الموعد ازداد تمسُّكى بالبقاء، وبداو مينج، وبأمل استكمال دراسة الفلسفة وتحضير الدكتوراه فيها بالصين. كأنى انشطرت نصفين، لا يستطيع أيهما المسير فى الاتجاه الذى يهفو إليه دون أن يمزق الآخر.
    ماطَلت قدر الإمكان، وغرقت أكثر فى ضوء دربى المضىء كأنما لأنسى القرار القاسى الذى يتعين علىّ اختياره. وحين أَزِفَ الوقت صارحتُ أمى بالحقيقة كاملة. تعاطفَت معى، طبعا، وأبدت تفهمها وأغدقت علىّ من حنانها، لكنها لم تُخفِ موقفها الرافض تماما لفكرة البقاء وإعداد الدكتوراه ببكين، حتى لو كانت منحة من الجامعة، وحتى لو كنت أول طالب مصرى يدرس الفلسفة الصينية هناك. أما حبى لداو مينج وتعلقى بها فهو أمر جميل، هكذا قالت، لكنها عواطف أول الشباب ودائما تمر. «لا أحد يتزوج حبه الأول إلا فى الأفلام، وحتى فى الأفلام لا يفعلون ذلك كثيرا». هكذا قالت، وكانت من الذكاء بحيث لم تسفِّه من حبى لكون الفتاة صينية. لكنى كنت أشعر بهذا الأمر فى نظراتها، وترك أثرا فىّ لم أعترف لنفسى به وقتها. أنفقَت أمى بقية وقتها فى الحديث عن الوظيفة التى تنتظرنى والمستقبل المرموق الذى ستكفله لى. عندما كانت تتحدث عن هذه الوظيفة كان وجهها كله يبتسم، كأنما أزاحت كل حديثى عن البقاء فى بكين باعتباره ترهات مقضيا عليها. وحين استجمعت شجاعتى وفاتحت أبى بشأن بقائى لإعداد الدكتوراه (ولم أجسر، مثلك، على ذكر حبى لداو مينج) كان رد فعله مماثلا لرد فعل أمى: استبعد الفكرة سريعا باعتبارها فكرة خرقاء، وأخذ يعدد مآثر الوظيفة التى تنتظرنى. كان حديث الأب عن هذه الوظيفة أكثر تأثيرا مما قالته الأم، بل ومما فكرت فيه أنا من قبل، فلأول مرة أرى أبى يبجّل عملا غير الجيش، ويرفعه إلى مصافِّ ما يقوم به هو شخصيا، بل إنه قال إن عملى فى الرئاسة سيكون أهمّ من عمله هو ومن أى شىء قام به حتى الآن. وشعرت أن هذه الكلمات حين قيلت قد حسمت الأمر داخلى، لكنى ظللت أقاوم، حتى بينى وبين نفسى.

    كتبت إلى عز الدين مرة أخرى، لكن الوقت لم يسعفنى لأقرأ رده علىّ. لم تكن داو مينج تعلم بشىء من هذا، لا وظيفة الرئاسة ولا إجماع عائلتى على ضرورة سفرى. وكلما التقينا حدثتنى عن مشروعاتها لحياتى فى بكين كطالب، أخذتنى لرؤية المساكن الجامعية التى يُفترض أن أقيم بها، وأحضرت لى جدول دراسة طلبة الدكتوراه، ثم بدأت هى الأخرى تحضِّر لاستكمال دراستها العليا، وبعد ذلك بدأت تبحث عن مصدر نحصل منه على الكتب بالمجان، وهكذا. مع كل أسبوع يمر يتضح لى أنى لا محالة عائد إلى مصر، وتُمعِن داو مينج فى ترتيباتها لمستقبلنا المشترك فى جامعة بكين.

    ثم جاء اليوم الذى تعين علىّ فيه أن أخبرها بالحقيقة، أننى سأرحل عائدا إلى مصر مع أهلى ولن أستطيع البقاء معها ومواصلة الدراسة مثلما خططنا. مر على هذا اليوم إحدى وثلاثون سنة تقريبا، وما زال قلبى يوجعنى حين أتذكره، وما زلت أشعر بالصغر والوضاعة بسبب خداعى لها طوال الأشهُر التى سبقته، وبألم وندم على جرحى لها ذلك اليوم، وما زلت أرى تعبير وجهها فى هذا اللقاء الأخير وأنا أسير مبتعدا وهى جالسة بلا حراك على مقعد خشبى بالجامعة، كأنها تحولت لتمثال من الزجاج، ينتظر التهشم.
    راحت داو مينج.

    ع.ش.فشي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    641
    Thanks Thanks Given 
    0
    Thanks Thanks Received 
    0
    تم شكره
    مشاركات 0
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي رد: رواية باب الخروج لعز الدين شكرى.حلقات متجددة

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي الحلقة الخامسة نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    حين أبلغنى أبى بضرورة الحضور بالرئاسة فى التاسعة من صباح الأول من ين، زغردت أمى.
    أول مرة أراها تزغرد، هى التى تتعفف عن كل ما تَصِمُه بـ«شغل الناس الحَوَش»
    قضيت الشهور الأولى بعد عودتى تائها. عُمَر أخى الذى استقبلنا فى المطار بدا أكثر حدَّة. فى كل مرة ألتقيه أجده أكثر حدَّة. مدينة نصر بدت أكثر ازدحاما بكثير، وبجوار عمارات الدفاع الجوى التى نسكنها تحولت الصحراء إلى غابات من الأبنية الخرسانية. ذهبت إلى المنصورة فور عودتى للقاء عز الدين، وأقنعت أمى بأن تتركنا نقيم معا فى شقتنا القديمة المغلقة حتى نهاية الامتحانات. كان قلبى منقبضا وأردت البعد عن كل ما يذكِّرنى بداو مينج وبكين كلها، بما فى ذلك أمى وأختى.

    ولا أعلم كيف نجحت هذا العام، كنت أجلس طَوال اليوم فى البيت مع عز الدين، صامتَين مُعظَم الوقت وأنا أحدق إلى كتبى، أقرأ فى الصفحة وبعد قليل أصادف عبارة تذكِّرنى بشيء ما، ثم أكتشف أنى قرأتها من قبل ونسيت. نخرج لنتنفس هواء نقىّا على شاطئ النيل علّه يصفِّى ذهنى ثم نعود. هالنى ما جرى للمنصورة من تغييرات، المدينة الصغيرة الهادئة التى تركتها نائمة فى حضن النيل تحولت إلى كابوس من السيارات والبشر والعمارات والباعة. من أين أتى كل هؤلاء؟ ثم أفكِّر فى بكين، وجامعتها، وداو مينج ومدينتها التى حرَّمتها على نفسى بيدى. وأغرق فى التعاسة أكثر. لمت نفسى ونعتُّها بالضعف والجبن والخِسَّة. أعود إلى البيت مع عز الدين، وأغلق على نفسى الحمام كيلا ترانى عينا عز الدين الفاحصتان الناقدتان، وأبكى بصمت، أحيانا لفترات طويلة حتى يأتى عز الدين ويدق علىّ الباب. المهمّ، لا أريد الإطالة فى كل هذا، لا بد أنك أنت أيضا قد مررت فى هذا. إن كنتَ قد تركتَ فتاتك مثلى فلا تقسُ على نفسك مثلما فعلتُ أنا، وإن كانت هى التى تركَتك فلا تظنَّ أنك غير أهل للحب. فقصص الحب الأولى دائما ما تنتهى بترك واحد للآخر، سيان من الذى يفعلها قبل الآخر. سيبدو لك كلامى قاسيا، مثلما بدا كلام أمى لى وقتها. لكن هذه هى الحقيقة، للأسف.

    فى النهاية نجحت، وحصلت على الليسانس، وعاد أبى من بكين، وجاء بعده الأثاث الكثير الذى اشترته أمى بمعونة صفيَّة، ولم يعد المنزل بمدينة نصر يتسع له. وبعد شهرين انتقلنا إلى شقة أخرى أكبر وأحدث فى شارع منشية الطيران، أمام بيت الرئيس عبد الناصر. وقال أبى ممازحا إن هذا البيت سيكون أقرب إلى الرئاسة عندما أبدأ عملى. غاص قلبى حين تذكرت ذلك، نعم، الرئاسة، حان وقت ذلك…
    ثم كان.
    تحدث أبى مع العميد القطان فى منتصف يوليو ووعده خيرا. لكن فى أول أغسطس غزت قوات صدَّام حسين الكويت وانقلبت الدنيا رأسا على عقب. أُلغِيَت إجازة أبى ومعها خطة التصييف فى جمصة. ولم يكن ذلك شرّا كله إذ أتاح لى فرصة قضاء أيام أخيرة بالمنصورة مع عز الدين الذى كان يتأهب للسفر إلى كندا لاستكمال دراسة العلوم السياسية وإعداد الدكتوراه فيها. حصل عز الدين على هذه المنحة بالصدفة، حين أخبره صديق له أن السفارة الكندية لديها عشر منح وتقبل طلبات الترشُّح من أى خرِّيج. سحب الاستمارة فى اليوم قبل الأخير ولا أدرى بأى معجزة استطاع استكمال أوراقه كلها فى يوم واحد، لكن هكذا كان عز الدين حين يصمم على شيء: أحيانا يبدو كأنه قادر على تسخير الطبيعة نفسها لتحقيق هدفه. وقُبِلَ بالفعل، وها هو ذا يتأهب للسفر لخمس سنوات كاملة. كنت سعيدا له ولكن فى مكان ما بقلبى كان هناك غيرة. كيف أضعت الفرصة التى سنحت لى وعدت إلى هنا؟ وإلى ماذا؟ وها هو ذا صديقى الأقرب والوحيد، توأمى، مسافر لتحقيق ما كنت أطمع فيه وتخليت عنه بيدى. ولأول مرة أحسده أنه بلا عائلة، يتيم بلا أم تُذِيب مقاومته بحنانها أو أب يُذِيبها بصلابة منطقه. قضينا أيامه الأخيرة فى المنصورة كأننا نزور أطلال صِبانا، كورنيش النيل، المراكب الصغيرة التى تعبر النهر بنا، شاطئ طلخا الذى كان شبه مهجور ناحية مصنع السماد، فَلَنْكات السكة الحديد من المحطة حتى سندوب، شارع الثانوية حيث تقع مدرستانا، ومطعم «موافي» الذى أطعمَنا فولا وطعمية تكفى المسير لنهايات الجهات. كأننا نودِّع مدينتنا الخاصة، وفعلا لم نعد إلى المنصورة معا بعد ذلك أبدا.

    فى منتصف سبتمبر عُيِّن أبى رئيسا ل الملحقين العسكريين التابع للمخابرات الحربية، واختفى من البيت تماما. لم يكن لدىّ شيء أفعله سوى التسكع ومتابعة الأخبار والتأمل فى حماقة قرارى بالعودة. وفى أول أكتوبر ذهبت إلى التجنيد لبدء «خدمتى العسكرية»، إلا أنهم تركونى أعود إلى البيت فى نفس اليوم، ولمدة أربعين يوما اقتصرت هذه ال على ذهابى فى الصباح إلى التجنيد لعدة ساعات أعود بعدها إلى البيت، حتى تم إلحاقى ب المخابرات الحربية. عبّرت عن امتعاضى من هذه «الكوسة» الواضحة، لكن أمى نهرتنى ونظر إلىّ أبى فى استخفاف المشغول بمصائب أكبر من أفكار المراهقين هذه. فى كل الأحوال لم يكن أمامى سبيل للاعتراض إذا تُتَّخذ هذه القرارات دون سؤال المعنىّ. وهكذا، قضيت بقية العام بين بيتنا فى شارع الطيران وقيادة المخابرات الحربية فى طريق صلاح سالم حيث لا أفعل شيئا يُذكر. وفى منتصف ديسمبر أخبرنى أبى أنى سألحق بمكتب ال بالرئاسة فى أول ين وأظل هناك حتى نهاية تجنيدى ثم يتمّ تعيينى رسميا مترجما. وقد كان.

    حين أبلغنى أبى بضرورة الحضور بالرئاسة فى التاسعة من صباح الأول من ين، زغردت أمى. أول مرة أراها تزغرد، هى التى تتعفف عن كل ما تَصِمُه بـ«شغل الناس الحَوَش». فى الصباح أغرقتنى صفية ابتساما ورافقتنى حتى الباب وربتت علىّ. خرجت وتوجهت فى زهو إلى القصر الرئاسى فى الميرغنى، المسمى بقصر «الاتحادية». لكنهم على الباب ضحكوا منى وأرسلونى إلى مكتب السكرتارية فى شارع الخليفة المأمون، الواقع على بعد خمس دقائق من منزلنا. المكتب لا يشبه فى شيء توقعاتك من الرئاسة، بل هو أقرب إلى مبنى أرشيف حكومى. تركنى الجندى أدخل دون السؤال عن أوراق تحقيق شخصية. صعدت عدة درجات من سُلَّم مكسور الحوافّ، وتجولت فى ممرات فارغة أرضيتها من المشمع حتى وجدت من يدلُّنى على مكتب الأستاذ مرتضى، مديرى الجديد. مثلما ترى، فإن تفاصيل هذه الأيام محفورة فى ذهنى كأنها حدثت أمس، لكنى سأعفيك منها، فلو قصصت عليك كل التفاصيل التى لدىّ لهبطَت علينا طائرات البحرية الأمريكية قبل أن أنهى ثلث الحكاية.

    تَسلّمت العمل فى وسط هرج ومرج ظننته مؤقتا ومرتبطا بالحرب الوشيكة فى الخليج، ثم اكتشفت عبر السنوات أنها حالة دائمة. قضيت عدة أيام لا أفعل شيئا، بالمعنى الحرفى للكلمة، بل لم أجد فى البداية مكتبا، وظللت هائما فى الأروقة ومكاتب الآخرين. ثم استدعانى الأستاذ مرتضى مرة على عجل لترجمة ورقة باللغة الفرنسية، ودُهش لما قلت له إنى أتقن اللغتين الصينية والإنجليزية لا الفرنسية. رفع حاجبه فى دهشة ممزوجة بامتعاض وصرفنى بحركة من يده دون كلمة أخرى. قضيت أياما أخرى فى قراءة الجرائد والحديث مع زملائى. تعرفت إلى شابّ أكبر منى بثلاث أو أربع سنوات اسمه محمود بشير… نعم، هو محمود بشير الذى اشتهر وسطع نجمه بعد ذلك. كان وقتها يعمل مع أحد «أمناء الرئاسة»، وهو مصطلح تفخيمى للعلاقات العامة والمراسم. محمود كان من وقتها منطلقا وصاخبا وجريئا واجتماعيا إلى أقصى حد. هو الذى جاء وقدم نفسه لى وأصرّ على اصطحابى فى نفس اليوم للغداء فى مطعم قريب، وفى اليوم التالى دعانى للخروج معه هو وأصدقائه مساء، وغمز بعينه أنهم ذاهبون إلى مكان سيعجبنى، وبالطبع جفلت منه واعتذرت وصرت أتحاشاه. فى أول أسبوعين قابلت كثيرين فى المكتب ممن لا بد أنك قد سمعت أو قرأت عنهم بعد ذلك، رأيت رئيس الديوان مرتين، وسكرتير الرئيس للمعلومات عدة مرات، وسكرتير الرئيس الخاص ووزير الخارجية ومدير المخابرات العامة مرة فى أثناء خروجهم من اجتماع بالمبنى. لكنى لم أرَ الرئيس، ولم أترجم كلمة واحدة.

    وفى صبيحة الخامس عشر من ين استدعانى الأستاذ مرتضى إلى مكتبه حيث وجدت عنده العميد القطان، بوجهه الأحمر الضاحك وشعره الأحمر الذى يُخفِى صلعة صغيرة ورقبته الغليظة المتهدلة قليلا. وقف عندما رآنى واحتضننى، وعلى الفور تغيرت معاملة الأستاذ مرتضى لى. طلب لى شايا فى حين سألنى القطان عن أحوال العمل، مضيفا فى مزاح نصفه جِدّ أنهم لا بد يعذبوننى ولا يعطوننى لا مكتبا ولا عملا. غمغمت بكلمات مرتبكة لم يكترث لها القطان المنطلق فى الحديث. وانتقل بسرعة من الحديث عن المكتب إلى الحديث عن الصين وأهميتها للوضع فى الخليج، ثم انتقل إلى الحديث عن الحرب القادمة والتحسر على ما يحدث. لم يُتح لى أو للأستاذ مرتضى التعقيب على حديثه، فقد قام فور انتهائه من الكلام واستأذن منصرفا. وعدت أنا لما كنت فيه.
    فى اليوم التالى استدعانى الأستاذ مرتضى وقال لى إن أحد العاملين قد نُقل، ومن ثَم شغر مكتبه فى آخر الممر بالطابق الثانى وطلب منى الانتقال إليه فورا وتجهيز نفسى للعمل. وبعد ساعتين أرسل إلىّ مجموعة خطابات طلب ترجمتها إلى الإنجليزية، وبعدها بساعة أرسل يستدعينى وأعطانى ثلاثة مقالات مقتطعة من صحف إنجليزية وأمريكية وطلب ترجمتها إلى العربية فورا وترْك الخطابات لوقت لاحق، منبها علىّ أن أترجم المقالات بلغة بسيطة لا تعقيد فيها. وهكذا بدأ عملى مترجِما بالقصر الرئاسى.


    وفى اليوم التالى اندلعت حرب تحرير الكويت وتحطيم العراق.

    ع.ش.فشير

    يتبع....

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. رواية مواويل الليلة الكبيرة - غالي شكري
    بواسطة همسات دافئة في المنتدى همســات للكتـب و المؤلفات العربية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 11-19-2013, 02:52 PM
  2. رواية كليم الله و قصة الخروج للكاتب محمود غسان
    بواسطة محمود غسان في المنتدى منوعات قلوب همسات واقعي اجتماعي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 07-02-2013, 11:11 PM
  3. مواويل الليلة الكبيرة (رواية) - غالي شكري
    بواسطة الزين في المنتدى همســات للكتـب و المؤلفات العربية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-10-2013, 09:59 PM
  4. رواية الخبز الحافي- محمد شكري
    بواسطة همسات دافئة في المنتدى همســات للكتـب و المؤلفات العربية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 02-25-2013, 11:43 PM
  5. رواية خرائط / نور الدين فارح
    بواسطة فاتن فاروق في المنتدى همســات للكتب العـالمية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 01-17-2013, 06:33 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •