رواية "أسى الهجران " للكاتبة الرائعة / أنفاس قطر .. مكتمله - الصفحة 3
صفحة 3 من 32 الأولىالأولى 1234513 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 15 من 156
  1. #11
    الصورة الرمزية حسن الخلق
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    1,965
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي رد: رواية "أسى الهجران " للكاتبة الرائعة / أنفاس قطر .. مكتمله

    أسى الهجران/ الجزء الثامن


    عودة لسلطان في مجلس والده قبل 26 عاما

    وقع الخبر كالصاعقة على رأس سلطان.. سعود مات!!!
    سعود أصغر منهم كلهم.. لِـمَ يموت ؟؟ لماذا؟؟
    عمره 23 سنة فقط!! (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..استغفر الله العظيم... إنّا لله وإنا إليه راجعون..)

    سلطان بهمس منتزع من عمق حزنه الذي نحره: متى؟؟ واشلون؟؟

    كان رأس محمد في الأرض وهو يمسح دمعة خائنة أراد أن يخفيها
    بينما مشعل الكبير مازال صامتا محتفظا بصورته الصلبة في إطارها المهاب..

    عبدالله بحزن مخلوط بالتوتر: قبل شهرين في حادث سيارة.

    أنتفض سلطان بعنف وحزنه يتحول لغضب هادر: أنتو ما تخافون الله، ما تخافون الله
    أخي ميت قد له شهرين، ماخليتوني أحضر دفنه ولا أحضر عزاه
    أتقوا الله، اتقوا الله، حرام عليكم..

    " قصر حسك ياولد.. تقول لي أنا اتق الله.. متقي الله من قدام تجيبك أمك"
    صوت مشعل الكبير تردد بحزم في أرجاء المجلس

    ابتلع سلطان ريقه.. لا أحد يرفع صوته فوق صوت مشعل الكبير.. هكذا تربوا!!

    مشعل الكبير يكمل بذات الحزم:دورنا لك وقتها ولا عينّاك.. لين عبدالله عرف مكان شغلك البارحة
    أخيك مات الله يرحمه.. عند من هو أرحم به منك ومنا.. وأنت الحين في مكانه

    انتعش قلب سلطان رغم حزنه العميق على سعود.. أ يعقل أن والده سيرضى عليه لأن سعود توفي؟؟

    مشعل يستأنف حديثه بعد أن أخذ نفسا عميقا: الهولية جابت لك ولد وإلا حملت؟؟

    سلطان بغضب: الهولية مرتي ولها اسم.. اسمها حصة.. ولا ماحملت.. الله يرسل خيره..

    مشعل الكبير بغضب: وتراددني بعد..

    سلطان وهو يتمالك نفسه ويرد باحترام: ماعاش من يراددك أنا أجاوبك وبس..

    مشعل الكبير بنبرته القوية المعتادة: وين تحمل وهي عجوز في سن أمك!!!

    سلطان وهو يكتم غيظه: كل شيء بيد الله

    مشعل الكبير وهو يلقي قنبلته: بنت عمك وضحى مرت سعود حامل وفي شهرها الأخير.. أبيك تزوجها عقب ما تولد وتفك حدادها..


    ***************************


    الدوحة اليوم
    منزل عبدالله بن مشعل
    الصباح الباكر

    الصالة السفلية الشاسعة..
    كانت الستائر مفتوحة..ونور الشمس يسطع عبر النوافذ الضخمة ويغمر أطقم الكنب المختلفة الأحجام والأشكال في أناقة مقصودة يجمع بينها ألوانها التي تمازجت بين العنابي والذهبي والزيتي..

    كانت الجدة أم محمد تجلس على كرسي منفرد في صدر الصالة..
    كانت تكره جلسة الكنب ولكنها أصبحت تضطر لها مع الألم المتزايد في ساقيها
    وعجزها عن الوقوف لو كانت تجلس على الأرض..
    كانت الجدة تجلس ومقابلها طاولة كبيرة عليها دلالها.. وابنة شقيقتها وزوجة ابنها أم مشعل تقهويها..
    مازالت أم مشعل جميلة وهي في التاسعة والأربعين
    كانت مشاعل أكثر بناتها شبها بها شكلا ومضمونا.. الجمال الهادئ والعمق الإنساني الدافئ

    أم محمد بهدوء: وين عيالش؟؟

    أم مشعل بمودة: الصغار توهم راحوا مدارسهم.. ومشاعل راقدة

    أم محمد بنبرة غضب خفيفة: وش مرقدها لذا الحزة؟؟

    أم مشعل بابتسامة: يمه الله يهداش أي حزة.. الساعة سبع وربع الصبح تو الناس

    أم محمد بنبرة غضب حقيقية هذه المرة: وهذي عِلمتش لبناتش؟؟ إذا راحت بكرة لبيت ناصر.. بتقعد راقدة لذا الحزة ورجّالها رايح لدوامه

    شعرت أم مشعل بضيق من ذكر زواج مشاعل..
    رغم أنها زوجت ابنتين قبل هذا.. لكنها تشعر بضيق كلما تذكرت أن مشاعل بالذات ستتزوج وتتركهم
    ولكنها أجابت باحترام: إزهليها يمه .. مشاعل مره ما ينخاف عليها
    ولا تحاتين ولد ولدش بيعين من يسنعه

    صمتٌ تلا جملة أم مشعل الأخيرة..
    وكلاهما ترتشف ما بيدها بصمتٍ قطعه صوت أم محمد وهي تستفسر:
    موضي قد لي زمان ماشفتها.. مهيب ناوية تسير على جدتها.. وش ذا القُطع اللي عندها؟؟

    ارتعشت يد أم مشعل وانسكبت قطرات من الحليب الساخن على يدها
    قلقةٌ هي موضي.. لا تعلم ما الذي حل بهذه الفتاة، فأحوالها غريبة ولا تسر
    وخصوصا أنه مضى على زواجها أربع سنوات وهي لم تنجب بعد
    لم تكن موضي تشتكي مطلقا لها، ولكنها سمعتها بالصدفة يوما تشتكي للطيفة أن زوجها حمد يعها بعدم الإنجاب
    صمتت أم مشعل ولم تُشعرها أنها سمعت شيئا
    ولكن منذ ذلك اليوم وهي تشعر بقلق مرٍّ كاسحٍ عليها
    فهي أصبحت تعلم أن موضي تعيسة ورغم ذلك تحاول أن تظهر السعادة وأنها تعيش مرتاحة مع حمد

    كانت قلقة عليها أن تنهار يوما.. وهاهي خالتها تذكرها بقلقها
    وضعت أم مشعل كوبها جانبا وهي تمسح يدها وتقول بحياد:
    موضي كلمتني البارحة وبتجينا الليلة إن شاء الله


    ********************************



    عودة لمجلس مشعل الكبير قبل 26 عاما


    مشعل الكبير وهو يلقي قنبلته: بنت عمك وضحى مرت سعود حامل وفي شهرها الأخير
    أبيك تزوجها عقب ماتولد وتفك حدادها..

    سلطان صُدم صدمة هائلة، ولكن ليس هو من يتخلى عن مسؤولياته
    وزوجة سعود وأم ولده هي مسؤوليته من وفق وجهة النظر القبلية وتقاليدها:
    أتزوجها ماعندي مانع..ماني باللي أخلي ولد سعود يربونه غرب

    وألقى مشعل الكبير قنبلته الثانية: وتطلق الهولية، بنت أخي ماتصير ضرتها مهيب من قدرها
    لو حتى تبي تأخذ أربع.. أخذ بس يكونون من مواخذيك

    أنتفض سلطان غضبا: مالك لوا.. مرتي ماني بمطلقها.. تبيني أخذ وضحى خذتها بس مع حصة

    مشعل وقف وهو ينتفض غضبا: تطول صوتك علي يا سليطين يا الهيس
    هي كلمة ما اثنيها تأخذ وضحى وتطلق الهولية
    وإلا بيتي يتعذرك، ولا عاد أشوف وجهك
    وحلوفتي على أخوانك وأمك بعد إنه ماحد منهم يعرفك عقب اليوم لا في حياتي ولا عقب مماتي
    كنك طلعت من شوري فأنت عقب اليوم لا أنت ولدي ولا أعرفك

    انتفض عبدالله ومحمد بعنف مع قسم والدهما
    فهما كانا على أمل أن والدهما سيسامح سلطان
    فما اعاد فيهما صبر على فراق أخيهما أكثر من هذا..
    ومشعل بنفسه كان من رباهم على الترابط.. لِـم هذه القسوة وقطع الرحم الآن؟!

    لم يعلم أحد بالنار التي تستعر في قلب مشعل الكبير
    مشعل الكبير طوال السنة الماضية قتلته اللهفة لسلطان
    وبعد وفاة سعود التي هزته من الأعماق.. كان أكثر لهفة لسلطان ولإرجاعه لأحضانه..
    اتخذ زوجة سعود حجة لإرجاعه.. والآن يستخدم حرمانه من أمه و أشقائه كورقة ضغط
    كان يعتقد أن سلطان سيذعن له.. وكأنه لا يعلم أن هذا الشبل من ذاك الأسد، وأن سلطان أكثر عندا منه

    كان سيكفي مشعل أن يترجاه سلطان قليلا للقبول بزوجته.. وكان سيقبل!!
    كان فقط ينتظر الرجاء الذي سيحفظ له ماء وجه كبرياءه أمام نفسه وأمام الناس
    ولكن سلطان لم ينله رغبته العميقة..

    رحل سلطان.. وللأبد هذه المرة..
    وظلت حسرته في قلب والده العنيد..
    وحسرة أكبر في قلب أمه هيا المرأة الصامدة الصامتة..
    حسرة مرة ليس لها مدى ولا حدود.. رحيل سلطان مزق روحها بعنف
    ولكنها ظلت تعتصم ببقايا قوة لا معنى لها..
    قوة خاوية مفرغة من معناها..
    فجزء من روحها مات مع سعود..
    وهاهو جزء آخر يموت مع سلطان!!!


    بعد أربعة أعوام من زواج سلطان وحصة جاءت هيا
    الحلم الذي طال انتظاره..
    تمناها سلطان بنتا حتى تشبه أمه وحتى تكون هيا التي حُرم منها أمام عينيه وفي بيته.

    في سن الثانية عشرة عرفت هيا كل هذا
    لم يخفِ عليها سلطان أي شيء أخبرها بكل شيء وبكل تفاصيله..

    بعدها زاد ارتباط هيا بوالدها.. كانوا يقضون الساعات يتحدثون
    ولم تكن حصة في أكثر الأحيان تتدخل في هذا الحوار
    كانت تشعر أحيانا كأنها دخيلة بينهما لشدة تألفهما

    فسلطان وابنته ربطتهما علاقة فريدة
    كان كل منهما يكمل جملة الآخر.. وكأن كل منهما يقرأ أفكار الآخر..

    كرهت هيا آل مشعل القساة الذين طردوا والدها.. وطعنوا قلبه الشفاف
    فحزن والدها وشوقه لهم كان يأخذ من روحه شيئا فشيئا كل يوم..

    ووصل كرهها لهم الحد الأقصى حين توفي والدها بجلطة
    وهي في السابعة عشرة، وهو كان في السادسة والأربعين..
    تركها وحيدة مع أمها في هذه الدنيا بدون سند.. واضطرت أن تحمل مسؤولية هائلة
    فأمها كسرتها وفاة سلطان وهي تراه يرحل وهو في عز رجولته، بينما هي عجوز في الستين
    وكانت تتوقع أنها من سترحل قبله رغم إيمانها أن الأعمار بيد الله
    عدا أن حصة لم تعتد على حمل مسئولية في قوتها، فكيف وهي عجوز مريضة الآن؟!

    حملت هيا –التي تجري في عروقها غصبا عنها دماء آل مشعل الأشداء- المسؤولية
    وحين أنهت الثانوية، قررت أن تسافر لبريطانيا وأن تأخذ والدتها معها
    أهَّلها معدلها العالي للبعثة
    لتبدأ حياة جديدة ظنت أنها لن ترى فيها أحدا من آل مشعل
    الذين عاشوا طوال حياتها معها من خلال ذكريات أبيها
    الذكريات التي أرادت أن تمسحها من مخيلتها لتمسح آل مشعل كلهم.


    واليوم في واشنطن
    هاهو واحد من آل مشعل يجلس بكل غرور ووقاحة في منزلها
    ليفرض نفسه عليها وعلى حياتها بمباركة والدتها ورضاها
    والدتها التي احتقروها ونبذوها.. تقف في صف مشعل ضدها!!

    فأم هيا تكلمت أخيرا وهي تقول بهدوء حازم وتفكير عميق مؤجل يدور برأسها:
    هيا سكري الباب وتعالي قهوي ولد عمج

    هيا بغضب وانفعال: يمه وش تقولين؟؟

    أم هيا بغضب: اللي سمعتيه.. وإلا ماعاد لي شور عليج

    هيا بتأثر: ماعاش ولا كان اللي يعصاج

    نظرت لمشعل بقهر وهي تغلق الباب وتعود لتجلس
    في الوقت الذي أنعم عليها مشعل بفيض وافر من النظرات المتشفية الساخرة لانتصاره عليها..

    جلست هيا وهي تسأل مشعل ببرود: وش تبي تشرب يا أستاذ؟؟


    ***************************


    الدوحة اليوم
    منزل مشعل بن محمد

    ذهب الصغار للمدرسة.. الأولاد محمد وعبدالله يوصلون شقيقتهم مريم أولا ثم يتوجهون لمدرستهم

    جود مازالت نائمة.. وكذلك مشعل..
    استغربت لطيفة.. ليس من عادة مشعل أن يبقى نائما حتى الثامنة صباحا
    توجهت لغرفتها لإيقاظه

    "مشعل.. مشعل.. أبو محمد.. ما تبي تقوم؟؟"

    مشعل فتح عينيه ببطء وهو ينظر للساعة التي تجاوره
    ما أن وقعت عيناه على الساعة حتى قفز وهو يصرخ في لطيفة بغضب:
    أشلون تخليني أرقد لذا الحزة عندي اجتماع مهم على الساعة 8 ونص.. أشلون بألحق الحين..؟؟

    لطيفة بتوتر وحرج: أنت بالعادة تحط المنبه.. وأمس ما قلت لي شيء

    مشعل بغضب: متى أقول لش.. وأنا يوم جيت وانتي مكبرة المخدة وراقدة

    لطيفة بضعف: بس ماقلت لي يوم صليت الفجر

    لم يرد عليها مشعل وهو يدخل الحمام باستعجال.. عله يستطيع اللحاق بالاجتماع

    (لحول يا مشعل وش اللي يرضيك أنت؟؟
    يعني اليوم الوحيد اللي ما أنتظرك فيه تعصب علي..
    وإن لقيتني أنتظرك تعصب علي.. وش اللي يرضيك؟؟)



    **********************


    شقة هيا/ واشنطن

    جلست هيا وهي تسأل مشعل ببرود: وش تبي تشرب يا أستاذ؟؟

    مشعل بذات برودها: الأستاذ مايبي يشرب شيء، أنا ماني بجاي أتضايف
    أنا جاي أقول كلمتين وماشي، ودام الوالدة موجودة كلامي معها مهوب معش

    ألتفت مشعل لأم هيا التي كانت عيناها تلمع ببريق غريب مختلف ناتج عن تفكير عميق يدور في عقلها
    وهو يقول باحترام: شوفي يمه.. أدري أني اللي صار كله غلط، وطردة عمي الله يرحمه كانت غلط من أساسه
    وترا أبي من يوم توفى جدي وهو يدوركم.. لقى عمي سلطان ترك شغله الأولي
    واستمر يدور لين قبل كم سنة دل بيتكم لقاكم بعتوه ودرا إن عمي سلطان توفى
    ما تخيلين أشلون تأثر أبي وعمي وخصوصا جدتي هيا كانت بتروح فيها..

    انتفضت هيا وهي تسمع اسم جدتها.. فوالدها نقل ذكرى حبه العميق لأمه لابنته
    ولكن ذلك لم يمنع هيا أن تقفز وتقاطع مشعل وهي تنتفض بعنف وتقول بغضب كاسح:
    ماقصرتوا صراحة!!..
    لا والله.. حزنتوا عليه من جدكم؟!!..
    يعني تقتلون القتيل وتمشون في جنازته.. أبوي ماحد قتله غيركم يا آل مشعل
    وعمري ماراح أسامحكم

    ألتفت عليها مشعل بغضب وهو يقول بحدة: ماحد طلب سماحش هذا أولا
    ثانيا الكبار إذا تكلموا الصغار ينطمون.. واعتقد أني أكلم الوالدة ما أكلمش

    وقف مشعل وهو يوجه كلامه لأم هيا ويضع كرتا في يدها:
    يمه أنا رايح وهذا رقم تلفوني.. إذا بغيتوا شيء دقوا علي.. وأنا كل يوم بأمركم

    أم هيا ظلت صامتة غارقة في تفكيرها العميق
    ومشعل انسحب وفتح الباب ليخرج في الوقت الذي كانت فيه هيا تغلي من الغضب
    هيا انتزعت الكرت من يد والدتها رغم محاولة أم هيا للتشبث بالكرت

    مشعل فتح الباب وهمَّ بالخروج
    هيا مزقت الكرت ورمته خلفه حين أصبح خارجا
    وهي تصرخ بغضب: ما نبي منكم شيء يا آل مشعل.. خلونا في حالنا وبس
    وأغلقت الباب بعنف وراءه

    مشعل نظر للكرت الممزق.. هزَّ كتفيه وابتسم
    (ذي تحسب إنها إذا قطعت الكرت إنها بتقطع علاقتها فينا.. زين يا بنت العم..زين)

    طوال العاصفة التي اندلعت ثورتها
    باكينام اعتصمت بالصمت، مجرد متفرجة صامتة لم تتدخل بحرف واحد
    كعادة الإنجليز في عدم التدخل فيما لا يخصهم
    ولكن ما أن خرج مشعل حتى وقفت وتوجهت لهيا مؤازرة لها
    لأنها شعرت أن هيا بذلت انفعالا يفوق طاقة أي إنسان

    فبكينام كانت تعلم كراهية هيا لأهل والدها وتتفهمها
    ما أن اقتربت بكينام من هيا
    حتى انهارت هيا في أحضانها وهي تنوح بحسرة: ما أبيهم، ما أبيهم
    قتلوا أبوي والحين يدورونا عقب.. ليش ما لقونا وأبوي حي.. ليش؟؟
    أبوي عاش حياته كلها يترقب دقة واحد منهم على الباب
    كان الباب كل مادق أشوفه ينتفض بحنين
    وإذا خاب ظنه باللي عند الباب كانت الحسرة في عيونه تذبحني.. تذبحني
    حرام عليهم اللي سووه فيه .. حرام عليهم.. الله لا يسامحهم
    الله يأخذ قضاه منهم.. الله يأخذ قضاه منهم


    #أنفاس_قطر#

  2. #12
    الصورة الرمزية حسن الخلق
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    1,965
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي رد: رواية "أسى الهجران " للكاتبة الرائعة / أنفاس قطر .. مكتمله

    أسى الهجران/ الجزء التاسع


    الدوحة
    منزل عبدالله بن مشعل
    قبل صلاة العشاء

    موضي تزورهم أخيرا بعد غياب أسبوعين، كانت تنتظر فيهم أن تخف آثار ضرب حمد من وجهها
    كانت موضي بمقياس الجمال الاعتيادي أقل جمالا من شقيقتيها لطيفة ومشاعل
    ولكنها كانت كما يقولون في أدبنا العربي "مليحة"
    أي أن العين لا تمل النظر إليها
    وكان من أجمل فيها شعرها الكثيف الناعم
    الذي كانت تتفنن في قصاته قبل أن تتزوج حمد وكانت كل قصة تبدو عليها مبهرة
    ولكنها توقفت نهائيا عن قصه منذ حوالي 3 أعوام ونصف.. أول مرة ضربها حمد!!

    موضي مبرمجة حاسوب لم تعمل بشهادتها سوى 6 أشهر
    رغم المستقبل المشرق الذي كان ينتظرها
    فهي كانت ذكية جدا خلال دراستها، ثم شديدة المهارة والعطاء خلال فترة عملها القصيرة

    ولكن حمد أصرَّ عليها أن تترك عملها، كانت تستطيع الالتجاء لوالدها
    وتعرف أنه يستطيع أن يطلب من حمد أن يتركها في عملها
    فهي لم تتعب طيلة هذه السنوات لتذهب جهودها هباء
    وتعلم أن حمد لن يستطيع معارضة خاله

    ولكنها لم ترد إدخال أحد بينها وبين زوجها، كانت تعتقد أنها ستستطيع إقناعه
    لم تعلم أن حمد يصبح (أحيانا) مخلوقاً غير قابل للتعامل الإنساني.. فكيف بالإقناع العقلاني!!

    كان بال موضي مشغولا، كانت تخشى العودة لمنزلها
    تتمنى لو تستطيع أن تنام الليلة في بيت أهلها
    ولكنها تخشى أن يظن حمد أنها اشتكت لأحدٍ من أفعاله

    رغم كل ما يفعله حمد معها وقسوته عليها، فهي لا تستطيع أن تحقد عليه!!!!

    " هيييييه.. يا المفهيه أنا أقول تبين كأس كرك!!"

    صوت ريم الحاد اخترق طبلة أذنها من قرب لينتزعها من عالمها المرّ، ترد على ريم بغضب: وجع، مافيه احترام، أختش الكبيرة أنا، ما أنا بخويتش في المدرسة.

    ريم ترقص حاجبيها: أدري أنش أختي العجوز اللي أكبر مني ب15 سنة
    والظاهر حكم السن أنش صرتي صمخاء ما تسمعين
    ساعة وأنا أصيح يا موضي يا موضي وأنتي عمش أصمخ..

    موضي ألتفت على أمها وهي تقول بابتسامة: يمة البنت ذي أنتي متاكدة إنها عمرها 11 سنة
    أحيانا أشك أنش جبتي أكبر وحدة فينا في الأخير..

    ضحكت أم مشعل لأنها ترى ابتسامة موضي التي طال اشتياقها لها: خبرش ياأمش هذي حشاشة الشيبان..
    قالتها وهي تحضن ريم بحنان

    كانت مشاعل قادمة من المطبخ بيدها طبق كبير فيه فطائر وهي تقول بمرح:
    أسمع طاري شيبان، ماعندنا في ذا البيت شيبان، إلا شباب حلوين.. أولهم جدتي هيا..

    الجدة تعتدل في جلستها وتعدل برقعها على وجهها وهي تقول بمرح لطيف: يا حي العرب اللي عندهم نظر..

    لطيفة تبتسم وتقول لجدتها: يمه على ذا الزين كله.. ما تبين لش صبي مزيون نزوجش إياه..

    الجدة بغضب: اقطعي واخسي يا بنت عبدالله، لو أن مشعل قد قطَّع العقال على ظهرش كان عرفتي تحشمين اللي أكبر منش..

    لطيفة تضحك وهي تقوم من مكانها وتتوجه لجدتها لتطبع قبلة حنونة على رأسها:
    فديت قلبش.. السموحة جعلني فدا خشمش..

    الجدة تناولت عصاها وضربت لطيفة بخفة: كم مرة قايلة لكم كلكم، لا عاد حد يتفداني.. أنتو ما تفهمون..

    أم مشعل باحترام: يمه لا تزعلين.. من قدرش وغلاش عندهم..

    لطيفة تصطنع الغضب وتقول لجدتها: يمه ماضربتيني وأنا صغيرة تضربيني الحين قدام بناتي

    جدتها بحنان: عمركم ما تكبرون علي، ولو عندش عشرين بزر، أنتي عندي لطوف أم قرينات..

    موضي تقاطع حوارهم وتقول بلهفة: دام حن مجتمعين وا على فارس خليه يجينا
    مشتحنه له، قد لي 3 أسابيع ما شفته.. (مشتحنة=مشتاقة)

    مشاعل بهدوء: فارس أصلا زعلان عليش، يقول صار له أكثر من أسبوعين كل مادق عليش يبي يجيش، تعذرتيه..

    موضي بارتباك: الله يهداه ما يتصل إلا وأنا طالعة..

    مشاعل صمتت لأنها تعرف سبب تهرب موضي من رؤية فارس
    فلو عرف فارس أن حمد يضربها، فلا يعلمون ما الذي قد يفعله به فارس دون أدنى اهتمام بكونه ابن عمته
    موضي بالذات لها معزة كبيرة عند فارس، فهما من سن واحد ورضعا سويا وعلاقتهما ببعضهما خاصة وعميقة

    ثم قالت مشاعل :خلاص بأدق عليه الحين أخليه يجينا..

    ت مشاعل على فارس الذي كان حينها في عزبتهم مع ناصر وراكان
    كانوا يجهزون العزبة لأن الشتاء اقترب، وقت استخدامها الحقيقي وجمعة الشباب فيها

    كان تلفون فارس على (المركأ) بينه وبين وناصر
    ما أن أضاءت الشاشة باسم مشاعل (المحفوظ عند فارس باسم الأهل ش)
    حتى ألتقطه ناصر بلهفة وهو يقول: والله ماحد يرد عليها إلا أنا.. (لأنه يعرف من ش المقصودة!!)

    فارس بغضب: ناصر الله يهداك لا تحرج أختي، تراها تستحي من خيالها

    ناصر بمرح: عادي خلها على الأقل تسمع صوتي قبل تشوف خشتي..

    فارس انتزع ال من يد ناصر وهو يقول: تحشم

    رد وهو ينظر لناصر ليغيضه: هلا والله بقلبي.. هلا بمشاعل روحي

    ناصر يؤدي حركات تمثيلية وهو يضع يده على قلبه ويقول (بعيارة): المفروض أنا اللي أقول ذا الكلام لها مهوب أنت ويا وجهك

    مشاعل تبتسم: وش عنده الشيخ فارس؟؟ مهوب عوايدك ذا الرقة!!

    فارس بنبرة حنونة مقصودة: فديت روحش بس، اشتقت لش، جعلش بعد اللي قاعد عندي

    مشاعل باستغراب: فارس بسم الله عليك أنت مريض..

    فارس (خلاص) لم يستطع أن يكمل ، ضحك بصوت عالي وهو يقول:
    نعم خير؟؟.. وش تبين ياقطة الوجه أنتي؟؟

    مشاعل تضحك: إيه الحين أخي اللي اعرفه
    تروعت قبل شوي حسبتهم خذوا أخي المتوحش أبو كلام سم
    وجابوا لنا أخ طيب كلامه ينقط عسل مثل اللي في الرسوم

    فارس بهدوء: اخلصي علي ترا ماني بفاضي لقرقرتش

    ناصر يأشر له أنه بيخنقه: احترم مرتي يا ملا الماحي

    فارس يرد على ناصر: أختي قدام تصير مرتك، ومالك دخل بيننا

    مشاعل شعرت وكأنه سُكب عليها ماء بارد: فارس من اللي عندك؟

    فارس بلؤم: رجَّالش الشين

    مشاعل ألقت بال في حضن موضي ولون وجهها يتحول للأحمر القاني وتركض صاعدة لغرفتها

    موضي أخذت ال وهي تضحك: فارس وش قلت للبنية خليت وجهها انقلب كذا؟؟

    فارس بنبرة عتب: هلا والله بالشيخة موضي اللي تهرّب من شوفتنا

    موضي بحرج وهي تحاول أن ترد بدلال: فارس حبيب قلبي خلاص
    يالله أنا مشتاقة لك موت تعال أنا عند بيت هلي..

    فارس بهدوء: أنا في العزبة بأصلي العشاء أول، ثم مسافة الطريق
    على ما تروقون المستحية اللي عندكم اللي أكيد إنها راحت تسكر على روحها من السحا
    ترا ما أبي أجي وما ألاقيها ، ترا أطلع عليها واسحبها بشوشتها

    أنهى فارس مكالمته، وناصر ينظر له باستفهام، فارس بلؤم:
    وش ذا النظرة البائسة اللي على وجهك المغبر، تقول طرار على باب مسجد

    ناصر باستجداء تمثيلي: تكفى فارس.. وش قلت لمشاعل ووش قالت لك؟؟

    فارس بذات اللؤم: والله ماحد قال لك أني مرسال غرام.. على عمي عبدالله وأساله عن بنته.

    ناصر يضحك: أنتو يالبدوان ماوراكم فرج.. لو مخليني أكلم مرتي بينقص منكم يد وإلا رجل
    على الأقل تعرّف علي شوي وتدري أني ولد حبوب، مهوب حتى اسمي تستحي منه.

    فارس ضحك: عاد الله يعينك على مشاعل، عمري في حياتي ماشفت حد يستحي مثلها

    كان ناصر سيتكلم لولا أنه قاطعهم صوت عميق خافت ومفكر

    "السحا مهوب عيب.. السحا زينة البنت"

    ناصر يبتسم: وأخيرا تكلم أبو الهول.. تصدق نسينا إنك هنا يا أخي!!

    كان راكان طوال الفترة الماضية يجلس في زاوية الخيمة الضخمة
    مشغول بلوح شطرنج أمامه.. بين التحركات والتحركات المضادة

    فارس يبتسم: تصدق راكان أول مرة أشوف واحد يقعد بالساعات يلعب مع روحه..

    يلتفت إليهم راكان ويقول بثقة: هذا شيء ما تفهمونه أنتم..
    وبعدين من اللي منكم كفو يلعب معي، أطول واحد منكم طول معي في لعبة 10 دقايق
    لكن إذا ألعب مع روحي أعرف إنه فيه كفو لي..

    ناصر باهتمام: لا جد قل لي راكان أشلون تلعب بروحك
    يعني لكل لون الأبيض وإلا الأسود بتسوي نفس الحركة..

    راكان يبتسم: الله يخلف على أمي اللي أنت ولدها، وبنت عبدالله اللي أنت رجّالها...وش نفس الحركة؟؟
    فيه عدة خطط للعب الشطرنج، أنا لما ألعب مع روحي أعتمد خطتين، خطة لكل لون من البيادق.. (البيادق=شخصيات الشطرنج)

    ناصر يضحك: تدري يا ولد أمي الحكي معك ضايع..
    أنا باقوم أتوضأ باقي على الصلاة شوي، أحسن لي من مقابل وجهك أنت وولد عمك
    يالله يا كريم قد تخلص ذا الثلاث شهور وأفتك من وجيهكم الودرة

    يتركهم ناصر.. فارس يعبث بموبايله وينتظر أن يصلي ليتوجه لأخواته
    وراكان عاد للاستغراق في لوح الشطرنج أمامه
    راكان قليل التحدث عن نفسه رغم أن من هو في مواهب راكان المتعددة قد يحق له بعضا من الغرور
    فهو بطل ذو صولات وجولات في رياضتين مختلفتين
    وفي مجال عمله (في الديوان الأميري) يحرز نجاحات متميزة
    وهو على وشك ترأس قسم دون أن يخبر أحدا بذلك أو يتشدق به
    وليس معنى ذلك أن راكان لا يقدر نجاحاته
    ولكنه وجَّهها بتوازن لتكون ثقة قوية بالنفس

    يربط راكان بمشعل بن عبدالله صداقة متينة قوَّى أواصرها تقاربهما في السن وتشابه شخصياتهما لحدٍّ بعيد، ولكن لطالما أرَّق مشعل إحساسه أن راكان يخفي عليه سراً ما
    كان مشعل هو الوحيد الذي يستطيع قراءة صمت راكان وماخلف ابتساماته الهادئة
    ولكنه عجز عن سبر واختراق أسدال كتمان راكان التي راكمها على سره الدفين

    الذي طمره في أعمق نقطة في روحه وحاول أن يتناساه!!


    ******************************


    بعد حوالي ساعة إلا ربع..

    وصل فارس بيت عمه عبدالله
    وموضي سحبت مشاعل وأنزلتها.. واكتملت جمعة الشقيقات الثلاث الكبار وأخيهم بالرضاعة
    بينما أم مشعل وأم محمد كانتا قد انسحبتا للصلاة
    ومريم الصغيرة وخالتها ريم في الأعلى تلعبان Play Station3 ومعهم جود الصغيرة مجرد متفرجة..

    لطالما كن الشقيقات الثلاث يستمتعن بالالتقاء مع شقيقهم الغريب القاسي
    فلطالما مثَّل فارس ومشعل طرفا النقيض هذا بقسوته وهذا بحنانه
    ومع ذلك كان لكلاهما معزته الخاصة
    بالتأكيد لا أحد في مكانة مشعل عندهم
    ولكن فارس أيضا كان غاليا جدا عليهم لأبعد حد..

    البنات يتبادلن الحديث الودي الأخوي معه
    ومشاعل صامتة لأنها مازالت تشعر بالحرج من مكالمتها الأخيرة لفارس

    فارس ضربها على مؤخرة رأسها: وش فيها الأخت؟؟ عادش مستحية يا المعقدة؟؟

    لطيفة بتفهم: فارس خف على البنية.. هات فنجالك أصب لك قهوة؟؟

    فارس بهدوء وهو يعيد فنجانه لها ويهزه: لا خلاص شكّرت..(شكّر=اكتفى من القهوة)

    موضي (بعيارة): إيه الشيخ فارس مايحب يكثر منبهات يخاف على بشرته تتعب..

    موضي قالتها بعفوية، لكنها قطعت جملتها وهي تتذكر، وتبتلع ريقها
    وهي تنظر لثلاثة أزواج من الأعين تنظر لها وتركز عليها

    زوجان من العيون ينظران لها بنظرة هي خليط من العتب والشفقة لما ستناله من صاحب زوج الأعين الثالث

    وزوج العينين الثالث ينظر لها نظرة غضب حادة مرعبة تكاد تقتلعها من مكانها


    #أنفاس_قطر#

  3. #13
    الصورة الرمزية حسن الخلق
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    1,965
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي رد: رواية "أسى الهجران " للكاتبة الرائعة / أنفاس قطر .. مكتمله

    أسى الهجران/ الجزء العاشر


    موضي (بعيارة): إيه الشيخ فارس مايحب يكثر منبهات يخاف على بشرته تتعب..

    موضي قالتها بعفوية، لكنها قطعت جملتها وهي تتذكر، وتبتلع ريقها
    وهي تنظر لثلاثة أزواج من الأعين تنظر لها وتركز عليها

    زوجان من العيون ينظران لها بنظرة هي خليط من العتب والشفقة لما ستناله من صاحب زوج الأعين الثالث

    وزوج العينين الثالث ينظر لها نظرة غضب حادة مرعبة تكاد تقتلعها من مكانها

    موضي تلاحقت نفسها قبل أن يبدر من فارس أي تصرف
    وقفزت لتقبل رأسه وهي تقول باستجداء لطيف:
    تكفى فارس تكفى أنك ما تعصب علي.. أنا آسفة يا شيخ الشباب أنت..

    ابتسم فارس وهو يقول بثقة: ومن اللي قال لش أني كنت ناوي أعصب عليش؟؟

    ابتسمت موضي بأمل: صدق ماكنت ناوي تعصب علي؟؟

    كشر فارس وهو يبتسم : بصراحة كنت ناوي أرمل حمد
    يعني أنتي بالذات الغلطة ذي غير مسموحة منش لأنش أكثر وحدة تعرفيني

    موضي تجلس بجواره وتحتضن ذراعه وتقبل كتفه وهي تقول بمرح باللهجة المصرية:
    توبة من دي النوبه يا سيد البشوات أنته.. وحيات اللي خلئ عينيك الحلوين دي.. لو كنت عايداها ابئى اديني بالجزمة فوق نافوخي..

    مشاعل كانت تبتسم بشفافية وهي ترى روح موضي القديمة المرحة التي طُمرت تحت كآبتها تعود للتجلي
    بعد موقف مشاعل الأخير مع فارس وبطبيعتها الخجولة
    كان من المستحيل أن تعاود النزول ووضع عينيها في عيني فارس
    قبل مرور أسبوعين على الأقل.

    ولكنها تعلم أن موضي ما أن ترى فارس حتى تحضر روحها العذبة
    وكان من المستحيل أن تفوت استمتاعها بها
    حتى لو كان في ذلك مواجهة جيش من العفاريت..

    طال اشتياقها لروح أختها.. فهي قد ترى موضي جسداً..
    ولكن روح موضي تطول فترات غيابها..
    حتى يصيب مشاعل الصامتة المراقبة الرعب المتوحش أن تكون روحها قد ماتت..خُنقت.. اُستلت!!

    فتفاجأ بها تعاود التسلل ناشرة خيطا من البهجة المشعة في قلب مشاعل البريء


    وفي موقف آخر غير موقف اليوم ..كان فارس بقسوته المعتادة وفي هذا الموضوع بالذات ليثير زوبعة نارية من الغضب
    ولكن لأنه لم يرَ موضي منذ فترة وهو مشتاق لها..
    تجاوز لها غلطتها التي لا تغتفر في عُرفه..


    *************************


    في ذات الوقت
    في منزل محمد بن مشعل..

    غرفة المكتب في الأسفل التي يتناوب على استخدامها مريم وراكان

    كانت مريم تقرأ بنهمٍ كتاباً جديداً وصلها للتو..
    فالكتب لمن هم في مثل حالتها قليلة، ولكنها حريصة على أن تحصل على أكبر كم منها
    وبالفعل لديها مكتبة كبيرة للكتب المكتوبة بطريقة إبرايل..(إبرايل=طريقة طباعة كتب المكفوفين)

    كانت جالسة تقرأ باستمتاع تشاركها فيه أناملها الطويلة الرشيقة التي تتحسس الحروف النافرة بحب..
    وكأنَّ هذه المهمة الجديدة التي مُنحت لهذه الأنامل منحتها جمالاً مختلفاً..
    وبالفعل كانت يديّ مريم آية في الجمال والنعومة والرشاقة..

    للجمال نكهاتٌ مختلفة..
    وجاهلٌ من يضيع على نفسه متعة التعرف عليها اعتقاداً أن الجمال هو جمال الوجه فقط..
    أو حتى جمال الجسد الفاني!!

    فُتح الباب..
    مريم ترفع رأسها عن الكتاب وتضعه جانباً وهي تقول باحترام:
    حيا الله الغالي.. حياك الله يا أبو محمد.. تفضل..

    مشعل يبتسم: أبي أعرف أشلون تعرفيني يا السُكنيّة..

    مريم تبتسم: ريحة عطرك تصرع على بعد خمسة كيلو..
    أصلا أنا عارفة إنك عندنا في البيت لك حوالي 20 دقيقة بالضبط..
    من أول مادخلت البيت وأنا شامة ريحة عطرك..

    ابتسم مشعل: زين ناصر وراكان أحيانا يكونون معي في السيارة
    ويتعطرون من عطري.. تلخبطين بيننا؟؟

    مريم بابتسامة واسعة: مستحيل..

    مشعل باستغراب: أشلون؟؟

    مريم بشرح هادئ: ريحة العطر تتفاعل مع ريحة الجسد الطبيعية وتعطي نتيجة مختلفة..
    يمكن ما تكون واضحة للناس العاديين..
    بس لشخص في مثل حالتي تكون واضحة جدا..
    ربك يقطع من ناحية ويوصل من الثانية..اللهم لك الحمد والشكر
    بس تدري مشعل.. أحيانا الفرق هذا يلحظه العقل الباطن للإنسان السليم حتى...

    مشعل باستفسار مستمتع (لطالما كان يستمتع بحديث مريم): أشلون؟؟

    مريم بهدوء: يعني أنت أحيانا تشوف إنسان وتكش منه أول ماتشوفه بدون سبب.. صح؟؟

    مشعل يهز رأسه : صح..

    مريم بعذوبة: السبب أنك تكون شميت ريحته الطبيعية بعقلك الباطن
    وهذا الريحة تكون ما تتوافق مع طبيعتك
    وعشان كذا فيه ناس ننجذب لهم بعنف وناس ننفر منهم..
    وناس ما تتوافق معهم.. بدون ماتعرف السبب

    مشعل بعمق: أجل يمكن أنا ولطيفة روائحنا ما توافقت!!


    *********************


    قبل ذلك بعدة ساعات ولكن بتوقيت آخر
    الساعة 8 صباحا
    واشنطن دي سي

    مقهى قريب من جامعة جورج تاون

    جالستان تتناولان قهوتيهما بهدوء..

    باكينام تفرك عيناها وتقول بكسل: والله مش عايزة ئهوة ولا نيله.. عايزة أنام
    المحاضرة الساعة 1..ممكن أعرف جايين نعمل إيه هنا الساعة تمانيه

    عينا هيا محاطتان بهالات سوداء وبادٍ عليها الإرهاق تجيب بصوت متعب:
    إذا كنتي أنتي نمتي شوي..أنا ما نمت أبد

    باكينام باهتمام: وليه يعني؟؟

    هيا باستغراب: كأنج ماكنتي موجودة البارحة وشفتي بنفسج!!

    باكينام وهي ترتشف قهوتها ثم تعيد الكوب: خلاص أنتي طردتيه وما أعتقدش إنه هيرجع

    هيا تبتسم ابتسامة باهتة: أنا متاكدة إنه بيرجع وبيرجع وبيفرض نفسه على حياتي

    باكينام بهدوء وهي تعبث بملعقتها وتقلب قهوتها: بلغي عنه البوليس

    هيا انتفضت: مهما كان هذا ولد عمي.. وعلى وشك أنه يخلص دراسته
    شكوى مثل هذي بتضيع مستقبله..
    أنا أمس لما كنت أهدد أبلغ البوليس ما كنت في وعيي من الغضب..
    بس مستحيل أسويها في أي أحد، أشلون ولد عمي.

    باكينام فتحت عينيها فيها باستغراب: أما أنتي غريبة.. أنتي عمرك عرفتيه عشان يكون ابن عمك..

    هيا بهدوء متعب: صحيح أنا ما أبيه ولا أبي حد من أهله في حياتي
    بس في نفس الوقت ما أبي أضر حد..
    واللي زاد وغطى أمي من البارحة وهي زعلانة عشان قطعت الكرت..
    ما أدري هي شنو تبي فيه

    الفتاتان مستغرقتان في حديثهما ولم تنتبها للعينين العسليتين المسلطتين عليهما
    ما أن أنهتا شرب قهوتيهما ونهضتا للخروج
    حتى قفز صاحب العينين المراقبتين
    واقترب منهم محادثا باكينام بلكنة شامية: صباح الورد.. الأخت عربية؟؟

    باكينام التفتت لصاحب السؤال، كان شاباً وسيماً بيده عدد من المراجع
    أجابت ببرود لكثرة ما اعتادت على هذه الأسئلة: آه مصرية.. فيه حاجة غلط؟؟

    الشاب تفاجأ من طريقتها الباردة في الرد، رد بارتباك:
    لا أبدا.. بس حبيت أتعرف عليكي إزا ما عندك مانع..

    باكينام بنفس النبرة الباردة: أنا مرتبطة .. ولا مؤاخزه تأخرت عالمحاضرة..

    وسحبت هيا من يدها .. وهيا تسألها باهتمام: أنتي لمتى وأنتي تصدين كل واحد يتكلم معاج

    باكينام بمرح: وأنتي بتصدي كل واحد يكلمك.. إيه الفرق بيننا؟؟

    هيا بنعومة: لا فيه فرق.. أنتو تتزوجون بذا الطريقة.. تتعرفين عليه ثم تسحبينه من رقبته لأهلج
    لكن أنا لو تزوجت في يوم.. بأتزوج بالطريقة التقليدية اللي عندنا..

    ثم أكملت باهتمام: لا تخلين الأفكار الغريبة اللي جداتج حشوا رأسج فيها تخرب حياتج
    أنا بصراحة مع جدتج الإيرلندية لا تتزوجين إنجليزي
    بس موب مع جدتج التركية لأنج عربية ولازم تتزوجين عربي
    وبعدين هي بنفسها تزوجت جدج وكانت تموت فيه

    باكينام بنفاذ صبر: هيا لو بتحبيني بلاش السيرة دي.. بتجيب لي افتكاريا..

    وأكملت بابتسام وهي تقول: وخلينا فيكي وفي عمود النور اللي اسمه مَشعل، إزاي نزحلئو


    ********************


    غرفة المكتب في بيت محمد بن مشعل
    الحوار مستمر بين مشعل ومريم

    مشعل بعمق: أجل يمكن أنا ولطيفة روائحنا ما توافقت!!

    مريم صُدمت بعنف: مشعل وش ذا الكلام؟؟

    مشعل بهدوء: مريم أنا وأنتي أكثر من أخوان.. وأنا بصراحة ما أقدر أكلم حد غيرش في موضوع مثل هذا..
    أنا ماني بمرتاح مع لطيفة..

    مريم مازالت مصدومة: بعد 13 سنة وأربع أطفال.. توك تكتشف إنك منت بمرتاح!!!

    مشعل برزانة: مريم الله يهداش.. أنا لاني ببزر ولاني بمراهق..
    عشان تقولين لي كذا.. أنا لي سنين ماني بمرتاح..

    مريم تحاول أن تفهم هذه المصيبة التي جاءت لها هذه الليلة: لطيفة مقصرة عليك بشيء؟؟.. مضايقتك بشيء؟؟

    مشعل بنبرة واثقة تخللها بعض حزن: المشكلة إنها لا مقصرة ولا مضايقتني.. لطيفة باقي تحطني على رأسها من اهتمامها فيني..

    مريم وقفت وهي تنتفض من الغضب: اعذرني مشعل.. بس أنت كذا أكيد أنت اللي عندك مشكلة..
    أنا سألتك لأني حبيت أفهم منك، مع أني متأكدة إن لطيفة مافيه مثلها في النسوان ثنتين

    مشعل تنهد: مريم اقعدي وخليني أكمل..

    مريم جلست مع أنها فقدت أي رغبة في سماع مشعل.. مشعل أكمل كلامه:
    مريم.. أنا أدري أن لطيفة مافيه مثلها،راعية بيت وقايمة بي وبعيالها..
    بس من يوم تزوجتها وأنا أحس إنه فيه حاجز بيننا
    أحس إنها مهيب فاهمتني، مابيننا حوار مشترك، عمري ما حسيت إنه فيه مره حقيقية في حياتي
    أنا والله أعز لطيفة وأحترمها، بس عمري ماحسيت ناحيتها بشيء أكثر
    ما أقول إن العيب منها، يمكن العيب مني

    مريم تقاطعه بغضب رغم أنها نادرا ما تغضب: والمطلوب مني مشعل؟؟

    مشعل مستغرب من غضبها: وليش متوقعة إنه مطلوب منش شيء..
    أنا بس جاي أفضفض لش.. ضاق خلقي يا أخيش..

    مريم وهي تحاول السيطرة على غضبها والعودة لمنطقيتها: مشعل أنا مهوب توني عارفتك أمس..
    أنت لو بتموت ما تشتكي.. لو يقطعونك ما قلت آه..
    ودامك جاي تشتكي لي اليوم..
    فأنت في رأسك موال.. والشكوى هذي مجرد مقدمة لشيء أخطر..

    صُدم مشعل من تفهمها الغريب.. واكتشافها أن هناك خطوة مؤجلة مخفية
    ولكن لأنه ليس من يثير اضطراباً في أولوياته مع دقته في مخططاته التي أوصلته للنجاح في عمله
    رد عليها بثقة: مهوب وقته

    ووقف بثقة، ليخرج ويترك مريم مبعثرة المشاعر بعد الفوضى التي أحدثها
    وخلَّفت قلقاً متوحشاً مزَّقها بين شقيقها وابنة عمها وصديقتها

    فلا شيء آخر تقلق عليه!!
    ولا توجد حياة خاصة بها تتجاوز اهتمامها بأهلها وطلابها في المعهد!!


    **************************


    الدوحة بيت عبدالله بن مشعل
    الساعة 10 مساء

    رنَّ موضي.. توترت (أكيد حمد جاي بيأخذني)
    ردت بنبرة حاولت أن تكون هادئة: هلا حمد
    ............
    إن شاء الله.. الحين

    قامت موضي تلبس عباءتها..
    كانت موضي تسكن في بيت لوحدها..
    رغم أنها كانت تريد أن تسكن مع خالها وعمتها لسببين:
    السبب الأهم أن وجود أحد معهم في البيت سيجعله يكف يده عنها
    السبب الثاني أن بيت خالها قريب جدا من بيت أهلها
    ولكن حمد كان من أصرَّ على أن يسكنوا لوحدهم.

    حين رأها فارس تلبس عباءتها.. قال لها: أشفيش مستعجلة؟ اقعدي وأنا بأوصلش..

    موضي بتوتر حاولت تخفيه: لا خلاص حمد برا

    فارس بهدوء: أنا بأطلع أسلم عليه، و أقول له يروح، وأنا بأوصلش عقب

    موضي برعب: لا فارس تكفى..

    فارس قفز وقال بنبرة مرعبة: وش فيش خايفة كذا؟؟ حمد قايل لش شيء
    والله ثم والله لا يكون حميّد قايل لش شيء يا سيارته إن قد تغدي قبره

    موضي نظرت للطيفة مستنجدة، لطيفة بسرعة بديهتها قفزت..
    وهي تمسك بيد فارس المتشنجة من الغضب
    وتقول بنبرة حاولت أن تدفع فيها أكبر قدر من اللؤم: يا ابن الحلال الليلة ليلة جمعة وبكرة إجازة
    ويمكن موضي وحمد عندهم مخططات.. تبي تخربها عليهم يعني؟

    فارس شعر بالحرج وهو يشير لموضي ويقول بحدة: روحي لرجّالش لا بارك الله فيش ولا فيه

    وموضي تتناول حقيبتها وتسلم على الجميع
    وهي تنظر للطيفة نظرات ممتنة لم تفت مشاعل
    وتخرج لحمد الذي أصبح فيلم الرعب الذي تعيشه لحظة بلحظة!!


    #أنفاس_قطر#

  4. #14
    الصورة الرمزية حسن الخلق
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    1,965
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي رد: رواية "أسى الهجران " للكاتبة الرائعة / أنفاس قطر .. مكتمله

    أسى الهجران/ الجزء الحادي عشر


    الدوحة
    الساعة 10،45 مساء
    منزل حمد بن جابر..

    في زاوية الغرفة تجلس على الأرض
    بعد أن سحبت نفسها سحبا..
    وأسندت ظهرها المشبع بالألم والضربات للحائط
    وخيط رفيع من الدم يسيل من طرف شفتها على ذقنها

    وهو يدور في الغرفة مثل الأسد الحبيس.. عيناه محمرتان
    تنذران أنه على وشك البكاء

    بعد دقيقة..
    الإنذار أصبح حقيقة
    وهو ينخرط في بكاء حقيقي مؤلم
    وينكب على فخذ موضي المنكمشة في الزاوية ويدفن وجهه في حضنها

    لمن لم ترَ أو تسمع رجلا يبكي:
    لا يمكن أن تمري بتجربة أبشع منها أو أكثر إيلاما!!

    يمزق روحها بكاءه
    ماعاد يجمعها به شيءٌ أكثر من الشفقة
    الكثير من الشفقة!! والكثير من الخوف!!

    مسحت موضي على شعره وهي تهتف بصوت ممزق:
    حمد حرام عليك اللي تسويه فيني وفي نفسك

    تناول يديها وهو يغمرها بعشرات القبلات المبللة بدموعه:
    تكفين موضي لا تزعلين علي
    أنا ما أقدر أعيش من غيرش.. لا تخليني موضي.. تكفين.. تكفين


    *************************


    الدوحة
    بيت مشعل بن محمد
    الساعة 11 ونصف مساء

    مشعل بعد أن أنهى حواره مع مريم مرَّ بمجلسهم قليلا
    ثم عاد لبيته مبكراً على غير عادته
    وهاهو يجلس في غرفة الجلوس الخاصة الملحقة بغرفته يشاهد الأخبار

    لطيفة عادت بأبنائها وتوجهت بهم لغرفهم أولا
    حممت جود الصغيرة هي ومريم التي تستمتع بالمساعدة
    بينما محمد وعبدالله كانوا قد ناموا نتيجة لتعبهم في لعب الكرة مع خالهم الصغير

    وبعد أن أنهت لطيفة مهامها الأمومية.. توجهت لغرفتها لتستحم..

    فوجئت بصوت التلفاز.. وفوجئت أكثر بوجود مشعل
    وفي ليلة الجمعة التي اعتاد أن يسهر فيها مع أشقائه

    بصوت عذب: مساء الخير حبيبي..

    مشعل بنبرة محايدة: قولي صباح الخير أحسن.. وحبيبش طل.. منقعتني هنا وعقبه حبيبش..

    لطيفة نظرت لساعتها وابتسمت: الساعة 11 ونص.. أي صباحه؟؟
    وبعدين أنا مستئذنتك أسهر عند هلي للساعة 12، وهذا أنا جيت قبلها حتى..
    وحبيبي وتاج ورأسي.. وش فيك معصب يا قلبي؟؟

    مشعل ببرود وهو ينظر لشاشة التلفاز: وتراددين بعد؟؟

    لطيفة سحبت نفساً عميقاً (وش عنده ذا يهاد ذبان وجهه) اغتصبت ابتسامة: ماعاش من يراددك.. تعشيت؟؟

    مشعل وفي رأسه موال لا يعلم إلى أين سيصل به: مهتمة يعني؟؟

    لطيفة تنحني لتأخذ حذائه الملقى في وسط الغرفة وتضعه في دولاب أحذيته المزدحم بالأحذية وترد عليه: ومتى ماكنت مهتمة؟؟

    مشعل بنبرة ذات مغزى: أنتي مافيه شيء يخليش تعصبين؟؟

    لطيفة مستغربة من حديث مشعل الذي لم تعتده: وليش أعصب؟؟

    مشعل بهدوء: يعني موقف مثل اللي قبل شوي، ليش ماعصبتي لأنه أنتي صاحبة حق
    أنتي مستئذنة وجيتي قبل الموعد بعد..
    ليه ماقلتي لي أنا أصلا استأذنتك فليش تسويها سالفة..

    لطيفة بضيق: مشعل وش فيك الليلة؟؟

    مشعل باهتمام: أنا على كثر ما أعصب عليش بدون سبب، عمرش ماعصبتي ليه؟؟

    لطيفة وهي تشعر بتوجس من هذا الحوار: مشعل أنت ماعمرك هنتي ولا قسيت علي ولا حتى عصبت علي تعصيبة كبيرة
    والتعصيب العابر شيء معتاد في حياة الأزواج
    وبعدين أنا أعرف أنك مضغوط في شغلك
    ولو أنا ما أستحمل عصبيتك من اللي بيستحملها..

    مشعل ترك كل ماقالته وتمسك بجملة واحدة.. وقال بحدة:
    أنتي بنفسش تقولين "التعصيب العابر شيء معتاد في حياة الأزواج"
    يعني أنتي بعد من حقش تعصبين وتشوفين أشلون أنا باستحمل عصبيتش..

    لطيفة بهدوء: أبو محمد الله يهداك وش فيك الليلة؟؟.. أنت جاي بدري عشان تهاد وتلاغي وبس؟؟

    مشعل وقف وقال بثورة: إيه أبي أهاد والاغي.. وابيش تعصبين..
    حسسيني إنه عروقش يمشي فيها دم.. مهوب ثلج..
    13 سنة عمري ماشفتش معصبة على كثر ما كنت استفزش
    أنتي وش ج؟! ماعندش إحساس؟؟...

    لطيفة سحبت نفساً عميقاً لتهدئة نفسها، وقالت بهدوء:
    مشعل مافيه داعي للتجريح أنا أم عيالك قبل أي شيء..

    مشعل بغضب وهو يتناول غترته: أنا ما أبيش أم عيالي قبل أي شيء
    أبيش زوجتي قبل أي شيء!!!
    مره عندها مشاعر ودفء وحياة تغضب وتعصب وتغير مهوب قالب ثلج

    لبس مشعل ملابسه بسرعة وخرج بدون أن يقول كلمة إضافية
    في الوقت الذي كانت لطيفة تقف مذهولة..

    (الحين أنا اللي قالب ثلج يا مشعل.. هذا والله اللي عيرني بعيارته وركبني حمارته!!
    مشعل الليلة مهوب طبيعي.. أكيد فيه شيء مضايقه في الشغل وعشان كذا عصب بذا الطريقة)

    لطيفة كانت غاية في التوتر والقلق على مشعل
    استحمت وصلت قيامها وظلت ساهرة تنتظره
    حتى كاد آذان الفجر يأذن، حينها ت عليه..

    جاءها صوته المتعب..
    الصوت الذي يقلب كيانها ويهزُّ مشاعرها وتعبث نبراته بأوتار قلبها:
    هلا أم محمد..

    لطيفة بقلق: واشفيك تاخرت مشعل.. حبيبي أنا بسوي اللي يرضيك..
    بس مافيه داعي تخليني أحترق من القلق عليك كذا..

    مشعل بصوت متعب حقا: لطيفة أنتي ليه طيبة كذا؟!!
    الحين أنا اللي غلطت عليش.. وطلعت من البيت بدون سبب..
    المفروض أنا اللي أجي أعتذر منش مهوب أنتي اللي تتصلين تدورين لي

    لطيفة بنبرة تقطر حباً: حبيبي أنا ما اقدر أرتاح وأنا عارفة إنه في خاطرك شيء علي

    مشعل يتنهد بعمق: خلاص لطيفة أنا بأصلي الفجر وبأرجع لا تحاتيني


    **************************


    واشنطن دي سي
    قبل أذان المغرب بقليل
    شقة هيا

    هيا أعدت قهوة لأمها وجلست معها في الصالة
    أم هيا تشاهد برنامجاً دينياً على قناة إقرأ..
    وهيا تجلس متربعة على الكنبة بين يديها كتاب مستغرقة في وضع ملاحظاتها عليه

    رنَّ جرس الباب
    هيا نهضت لتفتح لأنها كانت تظن أنها باكينام..
    قررت أن تتأكد أولا
    نظرت عبر فتحة الباب
    انقلبت ملامح وجهها بقرف..
    وعادت للجلوس بعد أن فصلت الجرس حتى لا تسمعه أمها

    أمها بهدوء: من؟؟

    هيا وهي تعاود الانكباب على كتابها وتهز كتفيها: واحد شكله مضيع في الشقة

    ولكن الطرقات تكررت وهذه المرة على الباب مباشرة

    (لحول.. هذا مايفتهم)
    زفرت هيا بقهر

    أمها باهتمام: قومي شوفي من؟؟

    هيا بصراحة: يمه هذا مشعل.. وأنا ما أبي أفتح له..

    أم هيا بغضب: ومتى تعلمتي تكذبين علي يا بنت سلطان.. أقول لج من؟؟ تقولين واحد مضيع..

    هيا برجاء: يمه فديتج، لا تخلين مشعل هذا يتدخل فينا..
    ست سنين من يوم توفى أبوي واحنا عايشين، وش نبي فيهم الحين؟؟
    تكفين يمه وقفي يمي.. لا تنصرين ولد آل مشعل عليّ

    الطرقات مازالت تتردد بقوة.. أم هيا تقول بإصرار: قومي افتحي لولد عمج

    هيا بقهر: بافتح له بس تراني ماني بقاعدة معاكم.. اشبعي فيه يوم إنج بديتيه عليّ

    هيا قامت وارتدت عباءتها فوق بيجامتها ولفت شيلتها بإحكام على رأسها
    وفتحت الباب، وبدون حتى أن تنتظر أو تنظر له..
    دخلت غرفتها وأغلقت الباب عليها..

    وقف مشعل على الباب وهو يقول باحترام بصوت عالي: يا أهل البيت

    أجابته أم هيا: ادخل يا ولدي

    مشعل مستغرب من فتح له الباب، وأم هيا أصلا الحركة عليها صعبة جدا وهاهي جالسة..

    مشعل دخل وهو يحمل الكثير من الأكياس ووضعها أرضاً

    ثم عاد للوقوف عند الباب: مساج الله بالخير يمه..

    أم هيا بهدوء: أقعد يا أمك..

    مشعل جلس على الكرسي الأقرب للباب وترك الباب مفتوحا
    وهو يسأل: يمه هيا مخليتش بروحش؟؟

    أم هيا تبتسم: هيا هي اللي فتحت لك الباب، وراحت لغرفتها..
    وبعدين شنو الاغراض ذي اللي أنت جايبها؟؟

    مشعل بهدوء: شيء بسيط يمه.. وترا من اليوم أغراضكم كلها أنا اللي بأجيبها

    أم هيا بهدوء رافض: مافيه داعي يأمك.. وهيا بتزعل

    مشعل بثقة: خليها تزعل.. السنع ماحد يزعل منه

    أم هيا وهي تهمس بصوت واطي وتقول بنبرة اهتمام:
    يمه أنا أبي أقول شيء مهم أبيه بيني وبينك


    ***************************


    اليوم التالي
    الدوحة
    العصر


    كان محمد خارجا من صلاة العصر.. قابل رجلا لم يقابله منذ مدة طويلة
    فحلف عليه أن يتعشى عنده..
    أتصل على راكان وناصر يريد أن يحضر أحدهما ذبيحة
    لأن السواق لديه إجازة يوم الجمعة..

    وجد الاثنين في التدريب..
    ناصر في تدريب الفروسية، وراكان في تدريب الرماية..
    ف بفارس

    فارس ذهب لإحضار الذبيحة ووجدها فرصة أن يفاتح عمه في موضوع أنه لا يريد العنود
    وخصوصا أنه انتهى من إبلاغ أمه وأبناء عمه
    وتبقى فقط عمه الذي هو المهمة الأصعب
    فهو لا يريد أن يحزَّ هذا الشيء في خاطر عمه أو يضايقه

    فارس لم يكن لديه أي اعتراض على العنود سوى إحساسه إنها فُرضت عليه
    وهو يكره أن يُفرض عليه شيئا..
    وهذه هي تربية مشعل شقيق العنود له
    رباه أن يكون قاسياً.. جلفاً.. واستقلالياً
    وهاهو يحصد تربيته في رفض فارس لشقيقته

    بعد أن أحضر فارس الذبيحة.. نزل لعمه في المجلس

    مال على أنف عمه وقبله: مساك الله بالخير يبه

    أبو مشعل: هلا والله مساك الله بالنور والسرور.. جبت الذبيحة؟؟

    فارس بهدوء: في السيارة

    أبو مشعل بود: ولا عليك أمر.. ودها داخل البيت..للمطبخ الخارجي

    فارس بثقة: إن شاء الله.. بس أول فيه شيء أبي أقوله لك..

    أبو مشعل باستفسار: سم

    فارس يسحب نفسا عميقا : سم الله عدوك..
    أنت يبه عارف إنك إبي.. وعيالك كلهم أخواني

    أبو مشعل: أكيد يا أبيك مافيه شك..

    فارس بثقة وكأنه يتحدث في موضوع اعتيادي: والعنود بعد أعدها مثل أختي..

    أبو مشعل بتوجس: والمعنى يا أبيك؟؟

    فارس بهدوء: العرس قسمة ونصيب، وابن آدم مايدري وين نصيبه
    والعنود الله كاتب لها نصيبن أحسن مني.. وأهم شيء إنك ما تأخذ على خاطرك مني..

    أبو محمد حاول ابتلاع الصدمة التي هزته
    والتي ألقاها فارس فوق رأسه بكل بساطة
    فالعنود خُطبت منه كثيرا وكان عذره الدائم أن ابن عمها فارس بن سعود يريدها
    ماذا سيقول الناس الآن؟؟
    ماعيب ابنته حتى يتركها ابن عمها؟!!

    هل يا ترى يطلب من عبدالله أن يخطبها لمشعل
    رغم أن مشعل كان هو من تنازل عنها لفارس لأنه يعتبرها مثل أخت صُغرى له

    وما به فارس؟؟ ولماذا يرفض ابنته؟؟

    ورغم كل هذه الأفكار المرَّة التي التهمت تفكير محمد، إلاَّ أنه سحب نَفساً عميقأً وهو يقول:
    وكاد يا إبيك وكاد.. العرس قسمة نصيب والإنسان مايأخذ إلا نصيبه، وأنت تراك ولدي أول وأخر..

    فارس وقف بثقة وهو يقبل رأس عمه: الله لا يخليني منك.. أنا رايح أنزل الذبيحة


    في ذات الوقت
    في مطبخ بيت محمد بن مشعل الخارجي

    كانت مريم تجلس على الكرسي
    والعنود تجلس على الطاولة وتحرك رجليها جيئة وذهابا وتقول بمرح:
    أما أمش هذي غريبة.. الحين فيه خدامتين هنا إلا لازم تدخلني المطبخ..

    مريم بمرح هادئ: تدرين أمي ماتحب تاكن الذبايح على الخدامات..
    وهذا أنا جاية معش أسوي لش مساندة معنوية.. لا تقطعين يدش ولا رجلش يالدلوعة

    العنود تضحك: حرام عليش اللي يسمع بس يقول أني مابعد سويت ذبايح
    فيه حد في بيت محمد بن مشعل ويتدلع.. ماعندكم دلع غير كرف المطابخ

    مريم تضحك: خلينا نعلمش الطبخ عشان إذا رحتي لبيت فارس ماتفضحينا
    ويقول ماعلمتوا بنتكم طبخ الذبايح..

    العنود تضحك بعذوبة: ليه هو فارس ولد عمش يعرف يذبح ذبايح
    تصدقين أحس إنه يخاف يشوف الخروف المذبوح
    يمكن لا شاف الدم يغمى عليه

    مريم بدفاع : إذا فارس مايعرف الذبايح أجل من اللي يعرفها؟؟

    العنود تبتسم: يعرفها رجّال صدق مثل أخواني، مهوب ولد عمش الناعم

    ثم أكملت بمرح: صحيح أنا حلوة وأجنن وأطيح الطير من السما
    بس يا أختي هو أحلى مني، أشلون اخذ رجّال أحلى مني

    ثم أكملت بمرح ماسخ: وإلا تدرين يا أختي على زينه ونعومته أخاف يطلع ثالث
    ترفة على قولت الكويتيين وأتورط فيه

    مريم بغضب: عيب يا العنود.. احشمي ولد عمش..
    فارس رجّال غصبا عنش..واقصري ذا الحكي الماصخ

    العنود تضحك: فديت اللي زعلوا عشان ولد عمهم الدلوعة الكتكوتة

    " مــــــــريم.. مـــــريــــــــم"

    صوت رجولي خشن مرعب متوحش غاضب ملتهب
    قادم من خارج المطبخ قاطع حديثهما


    #أنفاس_قطر#

  5. #15
    الصورة الرمزية حسن الخلق
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    1,965
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي رد: رواية "أسى الهجران " للكاتبة الرائعة / أنفاس قطر .. مكتمله

    أسى الهجران/ الجزء الثاني عشر


    " مـــــــــــــــريم.. مـــــــريــــــــم"

    صوت رجولي خشن مرعب متوحش غاضب ملتهب
    قادم من خارج المطبخ قاطع حديثهما


    قبل هذا الموقف بدقيقة
    كان فارس يصل إلى المطبخ الخارجي وكان على وشك مناداة الخادمة لتأخذ الذبيحة
    إلاَّ أنه استغرب سماع اسمه
    كان صوت مريم الذي يعرفه جيدا.. فمريم بمثابة أخت كُبرى لهم جميعا

    كانت تقول: خلينا نعلمش الطبخ عشان إذا رحتي لبيت فارس ماتفضحينا
    ويقول ماعلمتوا بنتكم طبخ الذبايح..

    شعر حينها فارس بالحرج وبشيء من الحزن
    لأنه علم أنها تخاطب العنود
    كره أن تكون العنود قد رسمت لها حياة معه..
    بينما هو قطع كل مابينهما قبل دقائق
    (خلاص مسيرها بتدري إن نصيبها مهوب معي.. الله يكتب لها الخير)

    ثم هزه بعنف ضحكة عذبة
    ثم نعومة الصوت الذي سمعه يرد على مريم..
    الصوت الذي يسمعه لأول مرة
    صوتٌ غصباً عنه حرك بعمق حاد أوتار رجولته بنعومته وغنجه وأنوثته..

    ولكن فحوى الكلمات التي حملها الصوت الناعم نحرته

    انتفخت أوداجه غضبا كاسحا..
    وأحمَّرَ وجهه الأبيض حتى كاد الدم يتفجر من رأسه


    وهو يشعر أن عروقه على وشك التمزق من تدفق الدم..

    تمنى أن من قال هذا الكلام كان رجلاً حتى يدفنه في مكانه..
    الرجال أنفسهم لا يجرؤ أحد منهم أن يتجرأ على فارس بكلام أقل من هذا
    فكيف تفعل هذا ابنة عمه؟!!

    كانت عقدة فارس أنه شديد الوسامة..
    هل سمعتم بعقدة كهذه؟؟

    كان فارس بالغ الوسامة إلى درجة مفرطة..و عيناه واسعتان ناعستان بصفين كثيفين من الأهداب الطويلة ..
    شفتاه ورديتان نديتيان بطبيعية.. وبشرته بيضاء محمرة شديدة الصفاء

    حين كان صغيرا.. كان الجميع يظن أنه فتاة لشدة جماله ونعومته
    وكانت والدته تخشى عليه العين.. ولا تحب أن تخرج به إلى أي مكان

    حين بلغ الخامسة.. بدأ جده يصرُّ أن يأتيه للمجلس.. وكان يذهب به لكل مكان..

    في يومٍ كان خارجاً به من المسجد
    وكان مشعل بن محمد تأخر عنهم في لبس حذاءه
    فسمع شباب يقفون بالقرب من المسجد ويأشرون على فارس بإيحاءات قذرة
    توقف مشعل وتعارك معهم عراكا كبيرا

    حينها بدأ اهتمام مشعل بفارس وخوفه عليه
    أدخله نادي للكاراتيه والمصارعة وهو في سن الخامسة، وسجل مشعل معه لخوفه عليه
    واستمر فارس في النادي لعدة سنوات
    ومشعل يدفع في عروقه كل ما يستطيع من القسوة والجلافة

    حين كان فارس في المدرسة ويناديه أحدهم بالحلوة
    كان من يقولها قد باع نفسه، لأن فارس كان كان سيكسره تكسيرا
    كثرت معارك فارس ودخوله للحجز المؤقت بعد كل عِراك
    بعدها توقف الجميع عن التحرش به
    لأنه لا أحد يستطيع مناطحته

    هذه المعارك تركت آثارها على وجه فارس..
    ولكن بصورة عذبة زادت ملامحه وسامة رجولية :
    فهناك قطع في طرف حاجبه اليمين قسم حاجبه من طرفه قسمين
    وقطع في طرف شفته السفلية من الناحية اليسار..

    أما الملمحان الأكثر رجولة في فارس فهما
    صوته العميق الشديد الخشونة
    ولحية عارضه التي يخففها دائما بطريقة (الديرتي)
    في محاولة لإعطاء ملامحه قسوة مقصودة في تمازج سوادها مع بياض بشرته..

    ورغم تجاوز فارس لنعومة وجهه بعد ظهور الشعر على وجهه منذ كان في الرابعة عشرة
    إلا أن هذا الأمر ظل حديثاً ممنوعاً طرحه أمامه..
    إلا أن كان أحدهم يريد أن يُضرب أو يتعرض لسيلٍ كاسحٍ من الكلمات القاسية

    وهاهو فارس اليوم يسمع إهانة من نوع جديد
    إهانة لم يسمع مثلها حتى وهو مراهق
    فيسمعها اليوم من ابنة عمه التي (كان) يُفترض أن تصبح زوجته

    صرخ بمريم بصوته المرعب الذي كان عامرا بالغضب الناري:

    " مـــــــــــــــريم.. مــــــــريــــــــم"


    العنود بخوف: يمه من ذا صوته اللي يروع؟؟؟

    مريم برعب وهي تهمس: الله ياخذش.. الله ياخذش.. أنتي ولسانج الطويل اللي يبي قص..
    إن شاء الله مايكون سمعش

    ثم رفعت مريم صوتها وهي تقول: جايه جايه فارس..

    العنود ما أن سمعت اسم فارس، حتى شعرت كما لو أن جلد وجهها قد سُلخ
    وقلبها تصطرع به طبول حرب مجنونة من تسارع دقاته وعجزها عن سحب أنفاسها
    تراجعت للخلف وهي ترفع قدميها على الطاولة وتضم ساقيها لصدرها وهي ترتعش.
    فهي تعرف أنها أخطأت والكلام الذي قالته كلام لا يُقال..

    مريم أنزلت جلالها على وجهها وغطته وتوجهت لباب المطبخ
    وهي تحاول أن تقول بنبرة ترحيب اعتيادية: هلا والله بفارس.. حياك الله

    فارس بذات النبرة المرعبة وهو واقف خارج المطبخ قريب من الباب
    وبدون أن يرد على سلام مريم: الذبيحة عند الباب خلي الخدامات يأخذونها
    وقولي للي وراش دواها عندي، ال الثالث بيوريها شغلها
    إذا ماخليتها تندم ألف مرة على كل كلمة قالتها ما أكون ولد سعود بن مشعل
    عطران الشوارب ما يتجرون علي.. تجرأ هي علي

    فارس قال كلمته وانسحب عائدا للمجلس

    بينما العنود انخرطت في بكاء حاد وهي تقفز من مكانها وترتمي في حضن مريم:
    بيذبحني يا مريم بيذيحني.. خلاص ما أبيه.. ما أبيه..
    .. إن خذته بيذبحني.. تكفين قولي لابي ما أبيه..



    فارس عاد لعمه في المجلس وأطرافه وتفكيره وعروقه تتآكل جراء غضبه المدمر
    وتفكير جديد مرعب يتشكل في أعماقه المجروحة من قسوة الإهانة وحدتها

    جلس بجوار عمه وهو يقول لعمه بنبرة عميقة : طلبتك

    عمه انتفض من الحمية: عطيتك..

    فارس بثقة مرعبة: بأروح أجيب المملك وملكني الحين

    عمه باستغراب: أملكك من؟؟

    فارس بنبرة خاوية: العنود..

    محمد باستغراب كبير: توك يا أبيك تقول ما تبيها!!

    فارس وألف تفكير يسيطر عليه يقول بنبرة خاصة: جهل مني يبه..
    وإلا حد يعيف العنود شيخة البنات..

    محمد استغرب انقلاب فارس
    ولكن لأنه كان ينتظر هذه الخطوة منذ زمن
    ويعلم أن العنود موافقة عليه.. لذا لم يرد فارس:
    خلاص ولا يهمك، كلم عيال عمك، وانا بأكلم عمك عبدالله، وجيب المملك عقب المغرب

    فارس بعمق: وأبي عرسي مع عرس ناصر عقب 3 شهور..
    مشاعل أختي والعنود أخت ناصر.. يعني خلنا نخلي الفرح فرحين

    محمد بتوجس: ما تشوف أنك مستعجل يا أبيك
    البنت باقي عليها السنة ذي والسنة الجاية لين تخلص جامعتها

    فارس بثقة ورجاء: وأنا ماني بطاردها تكمل جامعتها..
    تكفى يبه.. ماقد طلبتك شيء قدام ذا

    وفعلا كان محمد مستغربا من إصرار فارس
    وكانت هذه هي المرة الأولى التي يطلب منه شيئا
    قال له بود: توكل على الله


    *********************


    بيت عبدالله بن مشعل

    كان عبدالله راجعا من صلاة العصر
    وأنهى للتو مكالمة مع ابنه مشعل
    مكالمة بعثت في قلب عبدالله سعادة لا حدود لها بما جاء فيها من أخبار

    كان عبدالله يكاد أن يركض بحثا عن والدته
    كان يريد أن تكون أول من يسمع الخبر..
    كان يريد أن يرى التماع عينيها حين تسمعه..
    أن يشعر بارتعاش كفيها بين يديه..
    أن يعيد لها بعضا من حلم ضاع
    حلمٌ اُستل من بين أحضانها.. وحتى ذكرياته اُنتزعت من خيالها

    كان وجود فارس أمامها يصبرها على فقدان سعود
    ولكن سلطان رحل
    وما ترك لها سوى الحسرة المحرقة التي ظلت تحرق أحشائها
    وتطويها بوجع لا نهائي
    لا طيفٌ له.. ولا بعض من رائحته.. ولا روح تنبض تذكرها بنبضه
    مجرد ذكرى بوجع صِرف مرٍّ

    عبدالله دخل بيته وهو مقطوع الأنفاس..
    وجد أم مشعل ومشاعل في الصالة وأمامهن قهوة العصر في انتظار الجدة
    التي ما خرجت من غرفتها بعد صلاة العصر

    عبدالله بلهفة بنبرة صوته المنهكة من سرعته في المشي: وين أمي؟؟

    أم مشعل ومشاعل بقلق: عسى ما شر؟؟

    عبدالله بنفاذ صبر: وين أمي؟؟

    أم مشعل بتوتر: في غرفتها

    كان عبدالله على وشك الدخول لها لولا أنها خرجت تتهادى بارتكازها على عصاها
    وكتفاها المنحنيان وتجاعيد عينيها البارزتين عبر فتحات برقعها
    تشي بسنواتها الخمسة والسبعين التي كابدت فيها من الآلام الكثير..
    وهي تقول بهدوء: تبيني يا بو مشعل؟؟

    عبدالله بلهفة: إيه.. عندي لش علمن زين.. بس اقعدي أول

    قامت مشاعل لتساعد جدتها على الجلوس
    التي ما أن استوت جالسة حتى قالت لعبدالله بذات الهدوء: خير إن شاء الله؟؟

    عبدالله جلس جوارها وهو يحتضن يدها ويقول بفرح ولهفة غامرين:
    مشعل توه مسكر مني.. يقول إنه عيّن بنت سلطان الله يرحمه ومرته عنده في أمريكا



    ***********************


    محمد دخل إلى بيته.. ونادى مريم وأم مشعل ليخبرهم بموعد الملكة..
    أم مشعل أخذت الموضوع ببساطة لأنها كانت تتوقعه
    مريم توترت وخصوصا أن والدها طلب منها أن تخبر العنود أن ملكتها ستكون بعد المغرب
    لم تعرف ماذا تقول؟؟ أو كيف تتصرف؟؟

    ولكن مريم في نهاية الأمر فكرت أن الأمر لا يعدو أن يكون غضب شباب
    ولم تحاول أن تربط بين سماع فارس لهم وموعد عقد القران المفاجئ
    لأنها قررت ألآ تحمل الموضوع أكثر مما يحتمل..
    واعتقدت أن فارس أصلا كان قد جاء اليوم لإنفاذ عقد القران


    توجهت بخطوات مترددة لغرفة العنود التي كانت منهمكة في بكاء طفولي حاد
    كانت العنود ببراءتها وعذوبتها شديدة الحزن والتمزق..
    لم تكن تريد أن تجرح فارس بهذه القسوة ولم تقصد..
    (عمره ماسمع صوتي.. ويوم الله كتب إنه يسمعني عشان أسمعه ذا الكلام اللي يسم..
    والله أني ما أقصد.. ما أقصد)


    مريم فتحت الباب بتردد.. مزَّقها سماعها لبكاء صغيرتها الموجع
    فهي من ربت هذه الصغيرة.. نعم أفرطت في دلالها..
    ولكنها تعلم أنها أحسنت تربيتها، وأنه معدنها الأصيل سيحكمها في المواقف الجدية.

    مريم تقترب من سريرها وتجلس إلى جوارها وتهمس لها بحنان ومساندة:
    عنادي قومي.. أبي أقول لش شي

    العنود رفعت رأسها عن مخدتها ووضعتها على فخذ مريم
    وهي مستمرة في بكاءها النحيبي..
    تمزقت مريم وهي تشعر بالبلل يغرق فخذها

    والعنود تهتف بصوت متعب من كثرة البكاء ورأسها مدفون في فخذ مريم:
    والله أني ما أقصد يا مريم.. أنا ماني بشريرة لذا الدرجة..
    ليت لساني انقطع ولا قلت كلمة من الكلام اللي قلته.. والله أني ما أعرف أشلون قلته..

    تنهدت مريم (كثيرٌ على صغيرتي كل هذا الألم!!) :
    قومي يا قلبي غسلي وجهش.. فيه شيء مهم لازم أقول له.. ولازم تكونين هادية وأنتي تسمعينه

    توترت العنود (أنا ناقصة بعد!!)
    ولكنها توجهت للحمام وغسلت وجهها بماء بارد..
    ثم أخذت نفسا عميقا وتوجهت لمريم وجلست لجوارها وهي تسمي باسم الله: وش فيه مريم؟ خوفتيني؟

    مريم بهدوء وبنبرة مساندة: خليش من الموقف اللي صار اليوم.. فارس نفسه وش رايش فيه؟؟

    العنود بتوجس: رجّال والنعم فيه

    مريم بذات النبرة المساندة: وأنتي أساسا كنتي موافقة عليه؟؟

    العنود وقفت، وهي تهتف بارتعاش:
    كنت موافقة عليه قبل اللي صار اليوم.. بس الحين أشلون أحط عيني في عينه

    مريم تحسست الجسد اللين الناعم الواقف بجوارها حتى وصلت ذراعها وشدتها
    وهي تُجلسها لجوارها: بس أنتي عارفة إنه كل الناس عارفين إنه أنتي بتاخذين فارس..
    وش تبينهم يقولون عليش؟؟

    العنود بتوتر: يقولون اللي يقولونه ما يهمني

    مريم وهي تستخدم ورقة الضغط الأخيرة: وأبيش وأخوانش بعد ما يهمونش
    ولا يهمش كلام الناس عليهم؟!!!

    العنود انتفضت بعنف، وهي تقول بإعياء مؤلم مُستنزَف: مريم أنتي وش تبين؟؟

    مريم وهي تلقي الخبر القنبلة وتحاول أن تغلفه بالهدوء:

    ملكتش عقب المغرب



    #أنفاس_قطر#

صفحة 3 من 32 الأولىالأولى 1234513 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. رواية براءة تعانق سواد الليل (12) للكاتبة"" roxan anna"" ..كاملةمع الرابط
    بواسطة roxan anna في المنتدى قلوب همسات الزائرة المكتملة
    مشاركات: 873
    آخر مشاركة: 09-15-2019, 05:07 PM
  2. رواية " بعد الغياب " للكاتبة الرائعة / انفاس قطر مكتملة
    بواسطة حسن الخلق في المنتدى القصص والروايات الطويلة المكتملة
    مشاركات: 140
    آخر مشاركة: 07-17-2017, 05:57 AM
  3. مشاركات: 142
    آخر مشاركة: 07-23-2015, 10:24 PM
  4. رواية "فارس احلامي" للكاتبة bent_ksa .. مكتمله
    بواسطة حسن الخلق في المنتدى القصص والروايات الطويلة المكتملة
    مشاركات: 25
    آخر مشاركة: 09-23-2012, 05:51 PM
  5. مشاركات: 45
    آخر مشاركة: 09-21-2012, 08:49 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •