مرحلة المراهقةوأهميتها

سنواتالمراهقة




بعد إجتياز مرحلةالطفولة التي لها تقسيماتها الخاصة بها ، تبدأ مرحلة المراهقة . فقد وصفت هذهالمرحلة بالحد الفاصل ما بين الطفولة والشباب . وهي مرحلة ، رغم قصر مدتها في ظاهرالحال ، تكتسب أهمية وحساسية متزايدة . وقد إختلفت وجهات نظر العلماء في تحديدبدايتها ونهايتها.
فقد ذكر البعض أنها تبدأ في سني (9 ، 10 ، 11 ) ، وإختلفوا في تحديد سن إجتيازها ، وتراوحت الآراء بهذا الشأن بين سن الـ (16 و 19 و 20 و 21) حتى قيل أنها تنتهي في سن الـ (24) . وكما هو واضح ، فأنإختلاف الآراء كبير هنا . الا أن الذي يتفق بشأنه معظم علماء النفس هو أنها تنتهيويتم إجتيازها بين سن الـ (12 ــ 18) .
يقول موريس دبس:
الواقع هو أن الإنسان يجتاز ما بين سن 12 ــ 18 ، وبحسبرأي آخرين الى سن الـ 20 ، دورة كاملة من حياته منفصلة عن مرحلتي الطفولة والنضوج ،وهذه المرحلة بذاتها لها معاييرها الخاصة بها ، وتلعب دورا مهما في حياةالإنسان(1).
التعبيرات عنالمرحلة




في الرواياتالإسلامية ، وكذلك في بعض الكتابات ، يلاحظ أنه قد تم التعبير

(1) البلوغ ، موريس دبس (ص 15ـ 16).





عن الإنسان في هذه المرحلة السنية بلفظةالحدث ، مثل قول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام «وإنما قلب الحدث كالأرضالخالية ... »(1)وغيره من الرواياتوالأحاديث ، التي تخاطب هذه الفئة ، في الموروث الإسلامي.
الحدث هو بمعنى الجديد ، أي نقيض القديم ، وجمعه أحداث(2)، وهو لفظ يوصف به الإنسان اليافع(3)أو الصبي قليل السن ، وقد ورد وصفه بالشباب ،وتم التعبير عن المرحلة السنية بمرحلة الشباب في بعض الموارد على ندرة.
الا ان افضل تعبير لوصف الشخص في هذه المرحلة السنية هو إصطلاح «المراهق» الذي يستخدمه علماء النفس والترية . وهو ـ كما نعتقد ـ أنسب تعبير وفيمحله ، لأن الشخص في هذه السن لا هو طفل قاصر تماما وذو رغبات وخصال طفولية من جهة، ولا هو شاب ناضج ومكتمل وبإمكانه أن يكون له رأيا وكيانا مستقلين في الحياة منجهة أخرى.
خصوصيةالمرحلة




إن هذه المرحلة منالعمر لها أدوارها الخاصة بها ، فهي عالم يختلف عن العوالم الأخرى ، بكل ما فيه منظرافة ورقة وجمال ومعايير متميزة . ففي هذه السن يواجه المراهق وولي الأمر معاإشكاليات عديدة ، فالأول تداهمه رغبات كثيرة ومتنوعة تجعله يتعامل معها بشكل قلق فيكثير من الأحيان ، والثاني يعاني صعوبات غير قليلة في كيفية تحليل تمظهرات سلوكوتصرفات المراهق في سبيل ضبطها وترشيدها خصوصا إذا كان الأخير يعاني فقرا معلوماتياعن هذه المرحلة السنية.

(1) نهج البلاغة ، رسالة الإمام علي عليه السلامالى ولده الحسن عليه السلام.
(2)
المنجد في اللغة.
(3)
المصباحالمنير.





فبحسب رأي أوريسدولوم ، أن هذه المرحلة هي من أكثر مراحل الحياة إثارة وهياجا للغرائز ، واصعبها فيالوقت ذاته ، حيث أنها تتميز بحصول تغيرات وتقلبات سريعة وحادة في الأحاسيسوالمشاعر(1)، الى الحد الذي تضع المراهقوولي الأمر في مواقف محرجة في بعض الأحيان.
لقد عجرأولياء الأمور عن وصف هذه المرحلة من الحياة ، لأن المراهق يكون فيها من جهة مصراعلى سلوكه وتصرفاته الطفولية ، ومن جهة أخرى يحاول تقليد الكبار في أفعاله ، كماوقد أثارت هذه الحالة الشكوك حتى لدى علماء النفس والتربية الى درجة يقول فيهاموريس دبس :
منذ زمن ليس بالقصير كان الجدل يدور حول ماإذا كان يجب إعتبار البلوغ (المراهقة) ضمن مرحلة الطفولة أم ضمن مرحلة النضوجوالتكامل. والى الآن ما زال أغلب الناس يتصورون أنه يجب إعتبار الإنسان طفلا حتىبلوغ سن الـ (14 أو 15) بينما هذا التصور خاطئ وبعيد عن الصواب.(2)
فكما ذكرنا فيما مر، أن المراهقة مرحلة خاصة في الحياة وتكتسب أهمية متزايدة . فالتغيرات التي تحصلعند الشخص ، على أثر الدخول في سن البلوغ، قد تؤدي أحيانا الى تغيير مسار حياتهليعيش في وضع غير مطلوب.
وبحسب تعبير أحد العلماء : إنمرحلة المراهقة هي بمثابة الجسر الفاصل بين الطفولة والنضوج التي تحصل فيها تغييراتعضوية وفسيولوجية غير قليلة ، ويتعرض خلالها المراهق لصدمات نفسية مختلفة(3)، وبطبيعة الحال ، فإن الغفلة عنها والإستهانةبها من شأنها أن تسبب للمراهق ولأسرته مشاكل جمة ، وبتعبير

(1) المنجد في اللغة.
(2)
رحلة في عالم البلوغ، أوريس دولوم ، ص 5 .
(3)
البلوغ ، موريس دبس ، ص 15 .





عالم آخر : أن المراهقة حتى في أبسطأشكالها ، تؤدي الى تغييرات عميقة في الشخصية ، قد تتسبب في إزعاجات للأشخاصالبالغين الذين تربطهم علاقة بالمراهق بنحو وآخر . إن حالة المراهق في سعيه نحوبلوغ سن الرشد والنضوج تشبه تماما حالة الطفل الذي يرافق أولى خطواته في المشيالسقوط على الأرض ، ومن ثم القيام وتكرار المحاولة مجددا ، حيث يتعرض المراهق فيهذه المرحلة الى أخطاء سلوكية كثيرة.(1)
كما وشبه البعض هذه المرحلة بمرحلة الولادة التي يرافقهاالالم قبل وبعد عملية الولادة . وعبر عنها آخرون بوصفها الحد الوسط والبرزخي بينالنشوء والنضوج . وكل ذلك يدل على حساسية هذه المرحلة لدى المراهق.
الوضع النفسيلدى المراهق




فيما يخص الأوضاعالنفسية التي يعيشها المراهق في هذه المرحلة، لابد من الإشارة قبل كل شيء الى أنهيعيش أوضاعا نفسية غير طبيعية وصعبة . وقد يتعرض أثناء هذه المرحلة الإنتقالية الىإختلالات نفسية تؤدي الى أن يلازمه القلق والإضطراب العاصف لمدة زمنية طويلة ، وحتىيفقد توازنه الشخصي على أثرها . وبحسب تعبير أحد علماء النفس الروس : عندما يبلغالأطفال درجة جادة من النمو ، أي البلوغ الي ، تبدأ حينذاك الإضطرابات النفسيةالمختلفة لديهم. ففي هذه المرحلة عادة تتنازع نفسيات الأحداث أطباع متناقضة، ففيالوقت الذي تطبع سلوكهم وتعاملهم مع الآخرين الوداعة والحلم تجدهم في ذات الوقتحادي الطباع ويغضبون عند أدنى إثارة(2).

(1) المراهقة ، الدكتور جعفر الكرماني ، ص 104 .
(2)
مسائل المراهقة ، الدكتور إيزدي ، ص 10 .





ومن هنا فإن مرحلةالمراهقة هي أكثر مراحل الحياة تأزما ، والتعامل معها أصعب وأشق بالنسبة لأولياءالأمور.
إن المراهق يتعرض الى عاصفة من الإضطراباتالنفسية ، ترافقها تغييرات عضوية تهزه بقوة الى درجة يمكن معها القول إنه يعانيخلالها من الحيرة وفقدان التوازن(1).إنهيبحث عن ذاته في هذه الأثناء بشكل مبالغ فيه ، بتمثل وتقليد ، الذين يعتبرهم قدوةله ، من قبيل الأبطال ، والممثلين وزعماء الجماعات . وقد تؤدي هذه الحالة بالمراهقـ ما لم يتم ضبطها وترشيدها ـ الى تضخم الذات لديه ، وبالتالي سلوك مسالك منحرفةذات عواقب وخيمة.
ويمتاز المراهقون في هذه المرحلةبفوران عاطفي حاد ، وقد يبكون ويضحكون بصوت عال ، أو يمارسون العنف لأتفهالأسباب(2)، وأحيانا يشعرون أنهم محرومون مناللذات الخاصة بهذه السن ، ومحرومون من الحرية والإستقلال ، وحتى من الزواج !! . ينتج لدى هذه الفئة نوع من الرغبة والنشاط الإستثنائي بحسب رأي موريس دبس ،والمقصود هو نوع من العاطفة المتطرفة التي يمكن أن تستولي على كيان ومشاعر الشخصبالكامل وتوجه طاقاته بإتجاه معين.
إن الرغبة في التظاهر، والتي تمليها الغريزة في هذه السن تدفع بالمراهقين أحيانا الى التفوه بعبارات غيرمؤدبة أو إستهزائية(3)، وهو الأمر الذييستغربه أولياء الأمور والمربين ، ويتهمون على أساسه الأبناء بالخفة والوقاحة وقلةالأدب.
إن مرحلة المراهقة ، مرحلة شاقة ومتعبة بالنسبةلأولياء الأمور والمربين ، لأنها فترة تمتاز ببروز تناقضات كثيرة على تصرفات وسلوكالأحداث ، ويمكن

(1) علم النفس والتربية الية لكوتشكوف .
(2)
مسائل المراهقة ، الدكتور إيزدي.
(3)
البلوغ موريسي دبس ، ص 52 .

تشبهها بالثورة أو العاصفة العاتية التيتقلب الأشياء رأسا على عقب ، وهي بحاجة الى التروي والى مزيد من التحمل والصبر عندالتعامل معها.
لابد من الإشارة هنا الى أن القوائمالأساسية للبناء التربوي ، الموضوعة في مرحلة الطفولة ، لا تنهار على أثر مخاضاتمرحلة المراهقة وإن تعرضت الى بعض الهزات في الأثناء . الا أنه ينبغي إدراك حقيقةإن هذه القوائم لا يمكن الإعتماد عليها في المراحل اللاحقة في الحياة ما لم يصارالى تعزيزها في مرحلة المراهقة.
إن من اسباب مواجهةأولياء الأمور صعوبات في تعاملهم مع الأبناء في هذه السن ، هو طبيعة التغيراتوالتقلبات النفسية والذهنية المتسارعة والكثيرة لدى المراهقين ، والتي لا يمكنضبطها وتحليلها والتعامل معها بسهولة.
ليس من شك في أنمرحلة المراهقة مرحلة حساسة للغاية في حياة الأشخاص ، وتتطلب إيلاءها مزيدا منالإهتمام من قبل أولياء الأمور والمربين . وإذا أخذنا بنظر الإعتبار الإحصاءاتالمنتشرة اليوم في شتى أنحاء العالم عن حالات الجنوح والإنحراف الكثيرة جدا فيأوساط هذه الفئة السنية، ندرك مدى خطورة التساهل في هذا المجال على مستقبل مجتمعناالإسلامي الذي نحرص على أن يكون نموذجا يحتذى به من قبل الاخرين.
إن التعامل مع هذه الفئة السنية ، ينبغي أن ينطلق بالأساس منخلفية مدركة ومطلعة على دنيا المراهقين ، وعارفة بما يجيش فيها من تفاعلات وتغييراتعضوية وفسيولوجية تترك آثارها على تصرفات وسلوك الأبناء في هذه المرحلة.
من المناسب هنا تذكير أولياء أمور الأطفال بضرورة الإستعداد منالآن للتعامل الصحيح مع أبنائهم الذين هم على أعتاب الدخول في مرحلة المراهقة ، لأنالوقاية خير من العلاج دائما.